الطاهر ضاوي نحات تونسي شاب ولد في (باب بحر تونس) عام 1975. حصل على الأستاذية في الفنون التشكيلية من المعهد العالي للفنون الجميلة بتونس عام 1998 باختصاص نحت. قام بتدريس مادة الفنون في الثانويات التونسية، ويمارس إنتاج المنحوتة، كما ينفذ بعض الأعمال بالزجاج.
كان في عداد النحاتين الذين شاركوا في معرض (نبض الرخام) المكرس لأعمال النحاتين الشباب، حيث شارك بأربعة أعمال، ثلاثة منها تنضوي في الاتجاه التجريدي الهندسي، والرابع يتماهى كقيم فنية نحتية.
وأسلوب معالجة وطريقة صياغية، بفن الخزف الفني الذي اعتبر الابن الشرعي لفن النحت، فهذا العمل الذي أطلق عليه (بزمة) يتألف من جذع امرأة وافرة الصحة، أو حامل، حوّله النحات الطاهر ضاوي إلى ما يشبه الأرض المثقلة بالتلال والوهاد.
والمنخفضات والوديان والبروزات المستديرة والملفوفة بحيث ترتد الخطوط والسطوح في هذا الجذع، إلى بعضها البعض، موجدة كتلة نحتية ثقيلة، مشدودة إلى الأرض التي اعتبرت نداً للمرأة، وبالتحديد لهذه المنطقة من جسدها، حيث تولد وتتناسخ الحياة، تماماً كما تولد وتتناسخ، من رحم الأرض وفي تربتها.
ولتأكيد هذه العلاقة بين حوض المرأة والأرض، يلجأ النحاتون إلى المبالغة في حجمه، وشده إلى الأرض، كتعبير عن هذه العلاقة النديّة بينهما، وتأكيداً على مصنع الحياة ومكان تدفقها.
وهذا ما فعله تماماً النحات الطاهر ضاوي في هذا العمل الذي جاءت سطوح كتله، مستديرة، تماشياً وتآلفاً مع جغرافية الجسد الأنثوي العاري، ومع روح الخزف، وخواص وطبيعة الخامة المنفذ منها وهي الرخام.
في أعماله الأخرى، حاول الجمع بين الخاصية الأسلوبية السابقة، وبين هندسية مدروسة قام بتحطيمها،أو الإيهام بأنها معقودة وكأنها قطعة من القماش، أو متوازي مستطيلات منفذ من الكرتون المقوى، ثم تعرض لضغط في منتصفه، فأخذ شكلاً تحول معه الرخام الصلد، إلى ما يشبه الحرير.
وهو ما هدف إليه النحات (ضاوي). أي الإيهام بنعومة ورقة وطراوة الرخام الطبيعي، ابن الأرض (ند المرأة وصنوها)، إذا ما أحسن ترويضه ومعالجته بالطريقة التي تعكس هذه الخواص السرية فيه، ما يؤكد مقولة (هيغل) بأن النحت (لا يعبر عن الأحاسيس الاجتماعية فحسب، بل وعن الخصائص البدنية لجسم الإنسان:
القوة، الحذاقة، شدة التحمل (لدى الرجال) أو الرقة والرهافة (لدى النساء والأطفال) ويؤدي التعبير عن أحاسيس البشر وإرادتهم في النحت، إلى جعل التصوير الحجمي للبشر، يبدو محاكاة للحياةـ وانبعاثاً للروح في الحجر أو المادة الأخرى التي صقلها الفنان.
يقول (الحبيب بيده) حول تجربة النحات الطاهر ضاوي: يخرج هذا النحات عن قافلة الجسد الراحلة في بيداء المخيلة الممتدة ليدخل بالرخام عالماً آخر، فهو يُطهّره من حبيباته الصلبة الخرشاء، ويبلغ به ملامسة تلتمع حدّ التشاف، ويلتوي الرخام عنده كما يلتوي الحرير، فيتحرر من صلابته، ويعانق ليونة ايروسية رغم غياب رمزها الحسّي.
وهنا يحضرني قول لغوته: (سواء أكنت بازاء قطعة من الرخام، أم بازاء صدر الحبيبة. فالمهم أن تعرف كيف ترى بعين سبق لها اللمس، وكيف تلمس بيد تجيد النظر).
الكثير مما عناه (غوته) سكبه النحات التونسي الشاب الطاهر ضاوي في منحوتاته التي حوّلت الرخام الصلد، إلى حرير، ما يجعلنا نؤكد، أننا هنا أمام (حرير الرخام) هذا الذي ليس بمقدور سوى الفنان نسجه وتجسيده، داعياً إيانا إلى وليمة ساحرة، مفتاح الاستمتاع بها، والدخول في ملكوتها، هو أن نعرف كيف نرى بعين سبق لها اللمس، وكيف نلمس بيد تجيد النظر !!
د. محمود شاهين