خطفت السداسية الأرجنتينية في مرمى صربيا الأضواء من كل المباريات الأخرى في المونديال (بانتظار ما ستسفر عنه مباراة البرازيل واستراليا التي جرت مساء أمس)، وقد خصصت استوديوهات التحليل في القنوات التلفزيونية الألمانية معظم وقت برامجها لتحليل وإعادة الأهداف الأرجنتينية وخاصة الهدف الثاني الذي جاء تتويجا لعدد كبير من النقلات الجميلة الساحرة لتكون النتيجة سداسية نظيفة أنستنا السداسية المشبوهة في مرمى بيرو بمونديال 1978 والتي أوصلت الأرجنتين إلى المباراة النهائية لتلك البطولة التي جرت على أرضها ثم فازت بلقبها بعد الفوز على هولندا 3 ــ 1.
وفي تحليل تلفزيوني بقناة (زد دي اف) قال النجم الكبير غونتر نيتزر أحد أعظم اللاعبين في تاريخ الكرة الألمانية أن اللمسات الفنية ونقل الكرة بسلاسة وإبداع لم يسبق أن شاهدناها من المنتخب الأرجنتيني في جميع مشاركاته السابقة وهو أمر مثير ويشكل تطورا في الكرة الأرجنتينية ويعد بمباريات كبيرة ليس في الدور الثاني فقط وإنما في الفترة المقبلة.
وقال صحافي ألماني: أرجو أن لا يزعل مني جمهور الأرجنتين ولكن هذا الأداء الجميل والنقل السحري للكرة يجعلنا نظن أن منتخب البرازيل خلع القمصان الصفراء ويلعب الآن مرتديا قمصان الأرجنتين!وسواء كان هذا الوصف سيغضب الأرجنتينيين أو يسعدهم فانه الأقرب إلى الحقيقة التي شاهدناها من المنتخب الأرجنتيني من قبل
وهي إما أن يكون هجومه يعتمد على الالتحام القوي والدخول عنوة في منطقة الجزاء وضرب الكرة بقوة مثلما فعل المهاجمان مايو كيمبس ولوكي في مونديال 1978 أو اللمسات الفردية السحرية لمارادونا والتي تجد أحيانا زميلا يكملها بلمسة واحدة أو متابعة ذكية كما حدث في مونديال 1986 وحتى في 1990..
وفي المباراة الأولى في المونديال فاز الأرجنتينيون على ساحل العاج 2 ــ 1 بأسلوبهم المعتاد الذي رفعه المدرب خوزيه بيكرمان وهو الهجوم ثم الهجوم ثم الهجوم حتى نهاية المباراة، لكنهم استخدموا أسلوب الهجوم والاستمتاع في الوقت ذاته فحققوا التركيبة التي قدمها المنتخب البرازيلي في مونديال 1982 والتي لم يزل الجمهور يتذكرها.
في مونديال 2002 قدم الأرجنتينيون مباريات مملة وودعوا البطولة من الدور الأول غير مأسوف عليهم شأنهم في ذلك شأن الفرنسيين الذين ودعوا البطولة من الدور الأول أيضا، وقيل حينها إن الإرهاق الذي تعرض له لاعبو كلا البلدين من مشاركاتهم الكثيرة مع منتخباتهم وفرق أنديتهم الأوروبية الشهيرة والتي أدت إلى حدوث إصابات أيضاً ساهمت في الوصول لهذه النتيجة غير المتوقعة حينها،
وقد قرر الفيفا إنهاء الموسم الكروي العالمي قبل أكثر من ثلاثة أسابيع على انطلاق بطولة كأس العالم لمنح اللاعبين فترة كافية للراحة الايجابية قبل خوض منافسات كأس العالم.وعاد المنتخب الفرنسي إلى ألمانيا لتقديم عرض سيء في مباراته الأولى أمام سويسرا لم يختلف عن عروضه السيئة في مونديال 2002 وبدا من خلاله أن الديك الفرنسي لن يصيح في ألمانيا وعليه أن يستمتع بمشاهدة الفرق الأخرى تتألق في البطولة ومن بينها المنتخب الأرجنتيني!
كلمة السر بيكرمان
ولكن هل كانت الراحة التي نالها اللاعبون هي الوحيدة التي غيرت من المنتخب الأرجنتيني مابين مونديالي 2002 و2006 ؟
والجواب هو: كلا، لأن وجوها جديدة ظهرت في المنتخب الأرجنتيني وفي مقدمتها المدرب خوزيه بيكرمان الذي يعد أنجح مدرب في تاريخ منتخبات الشباب حيث قاد منتخب الأرجنتين لإحراز كأس العالم للشباب ثلاث مرات (رقم قياسي) وقدم للأرجنتين مواهب كبيرة أصبحت نجوما في المنتخب الأول الحالي، وفي مقدمتهم خوان ريكيلمي وسافيولا وايمار وتيفيز وغيرهم،
ونجح هذا الرجل الذي عمل سائقا لسيارة أجرة لتحصيل رزقه في فترة من فترات حياته كما لعب كلاعب محترف في الدوري الأرجنتيني، نجح في تشكيل فريق يعتمد على مواهب الشباب مثل سافيولا وميسي وريكيلمي وعدد من المخضرمين مثل الكابتن سورين وزانيتي والمهاجم كريسبو وعدد آخر من اللاعبين المكافحين في الملعب والذين يشكلون سندا للفنانين في المنتخب.
وقد رفع العرض البرازيلي الأول في المونديال أمام كرواتيا من أسهم المنتخب الأرجنتيني إذ تميز الأداء البرازيلي بعدم الفاعلية وميل كل من النجوم لاستعراض مهاراته الفردية على حساب المجموعة فضاع الفريق ككل ولم يسجل سوى هدف وحيد بتسديدة بعيدة المدى وليس من لعبة مشتركة داخل أو قرب منطقة جزاء الخصم،
في حين كان الأداء الفردي لنجوم المنتخب الأرجنتيني في خدمة الفريق وقدم الشباب والكبار جملاً كروية مشتركة ممتعة كانت نتيجتها أهدافا رائعة وكان الهدف الثاني الذي تبادل فيه نصف لاعبي المنتخب الكرة فيما بينهم حتى وصلت الكرة إلى المخضرم كريسبو الذي سحب اثنين من المدافعين باتجاهه ثم ارجع الكرة بكعب قدمه إلى الشاب كمبياسو الذي سجل الهدف بتسديدة في سقف المرمى.
بداية ونهاية
غير أن هذا العرض المذهل الذي جاء بعد المباراة الأولى الجميلة التي قدمها الأرجنتينيون أمام ساحل العاج يثير قلقا وخوفا عليهم من تكرار سيناريو البرازيل في مونديال 1982!.
فرغم أن اليوم لا يشبه الأمس وأن نتائج المباريات تعتمد على عطاء اللاعبين داخل الملعب ووعي المدرب لنقاط ضعف وقوة منافسيه ومساندة بعض الحظ، إلا أن التجارب تتشابه ولابد هنا من التذكير ببعض أشهر التجارب في تاريخ نهائيات كأس العالم التي تكشف بأن طرفي المباراة النهائية ليسا بالضرورة هما الأفضل لعبا ونتيجة في الدور الأول، وأن ليس كل من يخطف الإعجاب والإشادة في الدور الأول للبطولة سيخطف بالضرورة الكأس في النهاية!
في مونديال 1974 حقق المنتخب الألماني المضيف فوزا ضعيفا في مباراته الأولى على تشيلي بهدف يتيم سجله مدافعه بول برايتنر ثم حقق الفوز على استراليا 3 ــ 0 في واحدة من أضعف مباريات البطولة من حيث المستوى الفني، وختم الألمان الدور الأول بالخسارة 0 ــ 1 أمام الجارة ألمانيا الشرقية، لكنه بعد هذه البداية الضعيفة وغير المطمئنة وصل المباراة النهائية وأحرز لقب البطولة!،
وفي مونديال 1978 أحرز المنتخب الأرجنتيني اللقب بعد الفوز على هولندا في واحدة من أقوى المباريات النهائية، لكن بدايته في البطولة لم تكن مبشرة بالخير حيث فاز على المجر 2 ــ 1 ثم على فرنسا بنفس النتيجة وبصعوبة بالغة وختم الدور الأول بالخسارة أمام ايطاليا 0 ــ 1،
ولم يكن حال المنتخب الهولندي الذي وصل المباراة النهائية أفضل من الأرجنتين، فبعد الفوز على إيران 3 ــ 0 عاد وتعادل مع بيرو 0 ــ 0 ثم خسر المباراة الأخيرة في مجموعته أمام اسكتلندا 2 ــ 3 وتأهل للدور الثاني بفارق الأهداف عن اسكتلندا التي كانت قد خسرت في المباراة الأولى مع بيرو 1 ــ 3 وتعادلت في الثانية مع إيران 1 ــ 1.
وفي مونديال 1982 سحر منتخب البرازيل الألباب بعروض رائعة في الدور الأول حيث فطر رفاق زيكو وسقراط بمنتخب الاتحاد السوفيتي 2 ــ 1 وتغدوا بالاسكتلندي 4 ــ 1 وناموا خفيفا بعد أن سحقوا نيوزيلندا 4 ــ 0، لكنهم ودعوا البطولة من دورها الثاني بعد الخسارة أمام ايطاليا التي أحرزت اللقب في النهاية
رغم أن المنتخب الايطالي عبر الدور الأول للبطولة بصعوبة بالغة وبفارق الأهداف بعد تعادلهم مع بولندا 0 ــ 0 وبيرو 1 ــ 1 والكاميرون 1 ــ 1 أيضا، ولم يكن حال المنتخب الألماني الذي بلغ نهائي المونديال أفضل من حال ايطاليا حيث خسر مباراته الأولى أمام الجزائر 1 ــ 2 وفاز على تشيلي 4 ــ 1 ثم على النمسا 1 ــ 0 في مباراة مشبوهة لترتيب النتيجة بحيث يتأهل الفريقان معا وهي المباراة التي كانت سببا في تغيير قوانين الفيفا الذي قرر إقامة المباراتين الأخيرتين من كل مجموعة في توقيت واحد.
وفي مونديال 1986 كان مارادونا في أوج تألقه وقاد الأرجنتين للفوز على كوريا الجنوبية 3 ــ 1 وبلغاريا 2 ــ 0 لكنه تعادل مع ايطاليا في الدور الأول 1 ــ 1 وواصل التألق حتى المباراة النهائية التي تغلب فيها على ألمانيا 3 ــ 2، وكانت بداية المنتخب الألماني في البطولة سيئة ولا توحي بقدرتهم على بلوغ النهائي حيث تعادلوا مع الاوراغواي 1 ــ 1 وفازوا على اسكتلندا2 ــ 1 ثم خسروا أمام الدنمارك 0 ــ 2 لكنهم بلغوا الدور الثاني ثم الثالث والنهائي.
وفي مونديال 1990 تأهل للمباراة النهائية كل من الأرجنتين وألمانيا، وكانت بداية الأرجنتين حاملة اللقب وبقيادة مارادونا بداية كارثية حيث خسر المنتخب أمام الكاميرون 0 ــ 1 في الافتتاح ثم فاز على الاتحاد السوفيتي 2 ــ 0 وتعادل في المباراة الأخيرة مع رومانيا 1 ــ 1 لكنه وصل المباراة النهائية التي خسر فيهاأمام المنتخب الألماني الذي كان قد افتتح مشواره في الدور الأول بالفوز على يوغوسلافيا 4 ــ 1 ثم على الإمارات 5 ــ 1 وتعادل مع كولومبيا 1 ــ 1.
وفي مونديال 1994 خسرت ايطاليا في نهائي البطولة أمام الأرجنتين بركلات الترجيح، لكن مشوار الطليان في الدور الأول لم يكن يوحي حتى ببلوغ الدور ربع النهائي، فقد خسر الطليان مباراتهم الأولى أمام ايرلندا0 ــ 1 ثم فازوا على النرويج بصعوبة 1 ــ 0 وتعادلوا في المباراة الأخيرة مع المكسيك 1 ــ 1، أما البرازيل فكانت قد فازت على روسيا 2 ــ 0 وعلى الكاميرون 3 ــ 0 وتعادلت مع السويد 1 ــ 1.
وكان مشوار المنتخب البرازيلي في مونديال 1998 بفرنسا سيئا في الدور الأول رغم وجود رونالدو وريفالدو وبيبيتو حيث فاز بصعوبة على اسكتلندا2 ــ 1 ثم على المغرب 3 ــ 0 وخسر مباراته الأخيرة أمام النرويج 1 ــ 2 لكنه مع ذلك وصل المباراة النهائية التي خسرها أمام فرنسا 0 ــ 3.
كانت تلك أمثلة من بعض البطولات السابقة والتي تكشف أن في كأس العالم ليس بالضرورة أن يكون الفوز من نصيب المنتخب الأفضل في الدور الأول، إذ يحتاج المنتخب الفائز إلى أكثر من اللعب الجيد والى تشكيلة منسجمة بين الدفاع والهجوم والى وجود احتياطيين قادرين على تعويض اللاعب المصاب أو المرهق أو الذي يتم استبعاده بسبب الطرد والإنذارات.
وتبقى المعادلة الصعبة في الجمع بين اللعب الجميل والنتائج الرائعة والقدرة على المنافسة حتى النهاية، ورغم أنني لست من عشاق الكرة الأرجنتينية
(السابقة) إلا أنني أتمنى أن ينجح بيكرمان ولاعبوه في تحقيق المعادلة الصعبة والوصول إلى المباراة النهائية وربما الفوز باللقب الذي يستحقه لو واصل اللعب بنفس المستوى الرائع الذي قدمه أمام صربيا ومن قبله أمام ساحل العاج.
سامي عبد الإمام

