كرة القدم هذه التي يعشقها الملايين، هل ينظر إليها الأعرج باحتقار ويضحك؟ أم يشعر بضعفه وبظلم الزمان عليه؟ وكيف يحس بها المشلول لو أنها سقطت أمامه وكان مرمى الحياة أمامه خاليا ؟
وكيف يراها المتأمل الذي يستشعر طاقة الوجود الممتد في الكرات والمجرات والكواكب والأقمار التي تسبح في ملعب الكون الشاسع؟..هذه الكرات العملاقة كيف تتجه بدقة إلى هدفها؟ من صوبها لتظل تدور في اللانهاية؟
وماذا عن العميان؟ هل يعشقون كرة القدم أيضا ويفضلون الاستماع إلى موسيقاها وإيقاعها بعيدا عن ركض اللاعبين ؟ أم أنهم يعشقون كرة الضوء التي تنير القلب والعقل وتجعل الإنسان يرى بالبصيرة ما لا تراه العين؟ يرى المعاني المخفية وراء المعاني الأصلية، ويرى معنى الدائرة وهي تتسع وتكبر وتصغر ويتغير شكلها فوق المستطيل الأخضر.
اللذة العظيمة في كرة القدم تكمن في إعادة اللقطات بالحركة البطيئة..وهي حالة تعيد الفرد في رحلة زمنية قصيرة إلى الوراء قليلا، إلى تفاصيل لحظة النصر التي هي نفسها لحظة الهزيمة، وجمهور كلا الفريقين يرى اللقطة نفسها، هذا من زاوية الحسرة، وذلك من زاوية الفرح.
في كرة القدم هناك الجمهور(المحايد) الذي يكتفي بالفرجة، والجمهور(الخائن) الذي ينقلب على فريقه إذا لم يلعب جيدا ويختار أن يشجع الخصم. وهناك طبعا الجماهير(الوفية)، لكن الأخطر هو الجمهور (المجنون) الذي يتعمد التخريب وإثارة الشغب في الملاعب وخارج الملاعب وهذا النوع المتمرد هو الوحيد الذي يجعل من لعبة كرة القدم مناسبة للدمار أو الموت.
في كرة القدم تجتمع المعاني وضدها..يخرج اللاعب المصاب محمولا في نعش مفتوح ويدخل بديله مهرولا قافزا..يركض الحكم مغردا بصافرته فتخاف الطيور ويضجر حارس المرمى..وحين يشهر الحكم بطاقتيه الحمراء والصفراء تتلون المشاعر في المدرجات ويتذكر الجميع أن السلطة، في الملعب أو في الحياة هي نفسها.
أغبياء أولئك الذين لا يحبون كرة القدم.. هذه مقولة شهيرة للكاتب البرازيلي جورجي امادو، وأغبياء أيضا أولئك الذين تحرمهم كرة القدم من رؤية ما هو أجمل منها في الحياة.