بحضور سمو الشيخ منصور بن زايد آل نهيان وزير شؤون الرئاسة، ومعالي الشيخ نهيان بن مبارك آل نهيان وزير التعليم العالي والبحث العلمي، ومعالي الدكتور حنيف حسن وزير التربية والتعليم؛ أقام مركز الوثائق والبحوث في أبوظبي مساء أمس الأول، حفلاً تأبينياً لذكرى الأديب الراحل علي التاجر أحد مؤسسي المركز وأحد رواد الحركة الفكرية والتاريخية بمنطقة الخليج، وحضر الحفل حشد من شخصيات المجتمع ورفاق درب الراحل الذي وافته المنية في دبي في الثاني من مايو الماضي.
في بداية التأبين وقف الحضور لقراءة الفاتحة على روح المغفور لهما «الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان» وأخيه «الشيخ مكتوم بن راشد آل مكتوم» وروح الفقيد علي التاجر، ثم تلا أحد القراء آيات مباركات من الذكر الحكيم، ليعتلي المنصة بعدها الدكتور عبد الله الريس مدير عام مركز الوثائق والبحوث، حيث ألقى كلمة عبّر فيها عن حزنه وحزن المركز البالغ لرحيل أحد أعمدة الثقافة والتوثيق في الدولة، وجاء في كلمة الريس:
بعد مسيرة طويلة على طريق العطاء المميز والعمل الإنساني النبيل فقدت الساحة الإماراتية علماً بارزاً من أبنائها، وكأن القدر قال «لقد آن لهذا الفارس أن يلقي عتاده ويترجل» ولم يكن غريباً على فقيدنا الغالي أن تكون سيرته قصة عطاء وبذل؛ فهو ابن جيل عزّ مثيله، جيل الرواد الذي أعطى وتألق في عطائه حين كان وطننا شامخاً في ذروة نهوضه، وكان ذلك الجيل يسير على نهج القائد الخالد مؤسس الدولة الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان «طيب الله ثراه».
كما أشار الريس في كلمته أن مركز الوثائق والبحوث بصدد إقامة جناح خاص يحمل اسم الفقيد «علي التاجر» ويضم بين دفتيه الإرث العلمي للفقيد ونتاجه الثقافي والفكري الذي استغرق عمره التسعيني الذي قضاه في خدمة الأدب والفكر والتوثيق العلمي.
بعدها ألقى الدكتور عز الدين إبراهيم المستشار بوزارة شؤون الرئاسة كلمة مفصّلة عن دور الفقيد في حمل راية العلم والتحديث في الثقافة العربية -الخليجية منها بصورة خاصة- حين وجه سهام نقده وقلمه نحو المفاهيم الغربية الخاطئة والمجحفة التي تروّج لها بعض الأقلام، وأشار إبراهيم إلى الشبهات التي ردّ عليها الفقيد، وهي تتصل بمواضيع حساسة جداً في ذلك الوقت، ومنها:
رد شبهة القرصنة التي كانت تروّج لها الكتابات الغربية حين كانت تتناول الدفاع والمقاومة الوطنية في مياه الخليج ضد أساطيل الغزاة من برتغاليين وإنجليز وغيرهم، ودحض مقولة وأفكار كتّاب الغرب حول «استعباد» العرب لبعض الأقوام وانتشار تجارة الرقيق بينهم، أما الشبهة الثالثة فقد لفت فيها المستشار عز الدين إبراهيم الأنظار إلى كتابات الفقيد ورؤيته لبراءة البحار العربي الشهير أحمد بن ماجد من تهمة مساعدة البرتغاليين.
وعلى رأسهم «فاسكو دي جاما» في التغلغل واحتلال المنطقة، وكيف أن الفقيد علي التاجر كان علمياً في قراءته للأحداث في تلك الأيام الغابرة، ثم تطرق إبراهيم إلى الحادثة التي أدت إلى استقالة «التاجر» من الشركة البترولية البريطانية التي كان يعمل فيها بعد تنفيذ العدوان الثلاثي على مصر عام 1956م.
حيث ذكر المتحدث أنه سأل «التاجر» عن سر الاستقالة، فأجابه: «كيف استطيع العمل مع البريطانيين وهم يلقون قنابلهم على أبنائنا في مصر».
ثم ألقت الدكتورة فاطمة الصايغ «أستاذة التاريخ في جامعة الإمارات» كلمة أكدت فيها على تأثير منهج الفقيد العلمي في محاكمة القضايا التاريخية على الكثير من مؤرخي الإمارات والخليج، وأنه يعتبر رمزاً للمؤرخ العلمي الذي يتعامل مع الوثائق والأصول التاريخية بحيادية ونفس علمي تام، وأشارت الدكتورة الصايغ إلى لقائها الأول الذي جمعها بالفقيد، وكيف أنه غيّر لديها الكثير من المفاهيم المغلوطة التي كانت لديها عن تاريخ الخليج بعد دراستها في الغرب، فقالت:
عرفت مع «التاجر» منهجية جديدة لأزمة المؤرخ وهي أسلوب مقارنة المصادر واختيار الأكثر عقلانية ومنطقية وملائمة للظروف التاريخية كتلك التي عاشتها منطقة الخليج، وأضافت الدكتورة الصايغ: برحيل المؤرخ «التاجر» وآخرون عملوا في صمت؛ تفقد الساحة الإماراتية أعلاماً مهمة من أعلام القلم والفكر، دون أن تفلح هذه الساحة في تأسيس جيل جديد من المؤرخين الذين سوف يأخذون على أعناقهم تسجيل الحاضر الذي نعيشه..
ولم تنسَ الدكتورة فاطمة الصايغ أن توجّه سهام نقدها إلى الإعلام والصحافة المحلية التي تجاهلت صدى رحيل «التاجر»، كما اتهمت هذا الإعلام - على حد تعبيرها- بتناول القضايا الثقافية السطحية.
جاء الدور بعد ذلك للمؤرخ العراقي الدكتور فالح حنظل من نادي تراث الإمارات؛ حيث أشار إلى الدور المهم للفقيد في توثيق وترجمة أول اتفاقية للتنقيب عن النفط في إمارة أبو ظبي بين المغفور له الشيخ شخبوط بن سلطان آل نهيان وشركة النفط البريطانية عام 1939م، حيث كان «التاجر» أحد الموقعين على تلك الاتفاقية.
وسرد حنظل قصة تلك الاتفاقية وإصرار حاكم أبو ظبي آنذاك على الترجمة العربية الحرفية لنص تلك الوثيقة والتي كلف بها الأديب علي التاجر، ثم ألقى تقي محمد البحارنه أحد أصدقاء الفقيد كلمة أشار فيها إلى الروح العروبية والنزعة الإنسانية الكبيرة في حياة الفقيد، ثم ختم الكلمة بقصيدة رثاء باللغة الفصحى أهداها لروح الفقيد.
أما كلمة عائلة الفقيد فألقاها «غازي» نجل الفقيد علي التاجر؛ بدأها بتقديم الشكر لرعاية سمو الشيخ منصور بن زايد آل نهيان وزير شؤون الرئاسة ومعالي الشيوخ والوزراء ومركز الوثائق والبحوث للفتتهم الكريمة في إقامة الحفل التأبيني، ثم سرد جزءاً من الأبحاث والكتابات التي ألفها الفقيد في ميادين شتى، ومنها:
الصراع العربي البرتغالي في المحيط الهندي، مقالات وأبحاث عن الملاح العربي أحمد بن ماجد، وكتابات عن الفينيقيين وغيرهم من الأقوام المهاجرة من أرض الجزيرة والخليج، كما ذكر مراسلات ومناظرات الفقيد الأدبية مع شعراء وأدباء البحرين والخليج، وفي مقدمتهم الأديب البحريني الكبير إبراهيم العريض.
وهكذا غابت شمس من شموس الفكر والثقافة الخليجية خلف سحب الغيب، دونما أن تحجب حقيقة تفيد بأن «علي التاجر» أفرد جناحيه لمسافات تتربص بكل جميل، وأبرقت على شواطئ الخليج ومضات روحه، منطلقاً نحو سماء الخلود.
أبوظبي ـ محمد الأنصاري:
