كتب محمد حسن علوان روايته الأولى سقف الكفاية في العام 2002، وأعيدت طباعتها منقحة العام 2004. كان علوان بدأ كشاعر إلى جانب كتابة القصص القصيرة؛ قبل ان يصدر سقف الكفاية.

يمكن وصف الرواية بالمدهشة نظرا لمرحلة الكاتب العمرية عندما وضعها؛ فهو من مواليد العام 1979م. إلى جانب بنائها الفني ولغتها؛ هذا الأمر يدفع بالنظر إلى الإعجاب بالتجارب الإبداعية في العربية السعودية؛ حيث تكرر في السنوات القليلة الأخيرة ظهور مواهب أدبية في مراحل عمرية مبكرة.

الأمر الذي جعل البعض يشكك في نسب هذا العمل الروائي أو ذاك، وهو ما لم يستثن سقف الكفاية فينفي نسبها لعلوان، وينسبها لسواه؛ وهو المؤشر الذي احتسبه عدد من النقاد دليل نجاح لهذا العمل الروائي.

وقبل أن نسطر انطباعنا حول العمل الادبي نذكر لاحمد الهاشمي من كتابه جواهر الأدب؛ في أدبيات وإنشاء لغة العرب حيث اختصر الطريق الى تعلم الكتابة بثلاث شعب (الأولى: ان يتصفح الكاتب كتابة المتقدمين، ويطلع على اوضاعهم في استعمال الالفاظ والمعاني، ثم يحذو حذوهم، وهذه ادنى الطبقات.

والثانية؛ ان يمزج كتابة المتقدمين؛ بما يستجيده لنفسه من زيادة حسنة؛ إما في تحسين الفاظ، أو في تحسين معان، وهذه هي الطبقة الوسطى.

و الثالثة؛ الا يتصفح كتابة المتقدمين، ولا يطلع على شيء منها؛ بل يصرف همه الى حفظ القرآن الكريم، وعدة من دواوين فحول الشعراء ممن غلب شعره على الاجادة في المعاني والالفاظ، ثم يأخذ في الاقتباس؛ فيقوم ويقع، ويخطئ ويصيب، ويضل ويهتدي؛ حتى يستقيم على طريقة يفتتحها لنفسه).

ولعلها الشعب التي سلكها محمد حسن علوان، ولم يخرج عنها، أو عن إحداها على الاقل. ونتلمس العمل الروائي «سقف الكفاية» الذي تغلب عليه اللغة الشعرية، وهو الجنس الأدبي الذي مارسه الكاتب قبل كتابة النثر.

ويبدو ان مشروع هذه الرواية سبقه الكثير من البحث والاطلاع على تجارب إبداعية من كتابات المتقدمين؛ حتى يحدد علوان؛ الشكل، أو الأسلوب الذي سيصوغ به عمله الروائي.

وأنه قد وضع عددا من الأعمال الأدبية نصب عينيه لينتج عمله الأول؛ وربما أعمال الكاتبتين؛ السورية غادة السمان، والجزائرية أحلام مستغانمي خاصة؛ حيث بدأ التأثر بلغتيهما وان غلبت لغة أحلام أكثر. ويبدو أن هناك قصدية مسبقة في هذه الصياغة، ولعل علوان قد وضع نهاية روايته قبل أن يشرع بالكتابة، وهو النمط الذي اعتمده في فصول العمل ككل، مستخدما نظام السينما أو (الفلاش باك)، بين الحاضر والماضي.

إن العمل يتمحور حول معاناة عاطفية نتيجة علاقة حب بين فتاة «مها» من عائلة موسرة، وشاعر شاب يصغرها «ناصر»؛ وان لم يكن من الطبقة نفسها؛ لكنه من أسرة موسرة هو الآخر؛ لكن الرواية تكشف جوانب لطالما ظلت مخبوءة خلف الجدران، ومسكوتاً عنها في المجتمعات شديدة التحفظ؛ كما هي في السعودية.

لقد أبرز الكاتب بطله العاشق «ناصر»؛ على درجة عالية من المثالية في الحب والإخلاص؛ على الرغم من وجوده في مجتمع ذكوري صرف، وفي عصر كثر فيه المباح والبدائل للرجال خاصة؛ ولعله إحياء لعصر مشاعر الحب العذري، على الرغم من المبالغة الشديدة هنا، إلا أنه يتضمن انتقادا لمجتمع يحسب له..( لا افهم كيف يمكن لأم أن تربي ابنها على انتقاص بنات جنسها دون أن تدري؟

فيكبر الفتى وهو مستعل على النساء، وتكبر الفتاة وهي خائفة من رجل لم تعرفه؛ لم أفهم أبدا لماذا يعلمون الأولاد دروس التفاضل على النساء، ولا يعلمونهم دروس التكامل معهن من أجل معادلة صحيحة. ص 35).

ومع ذلك فهو لا يعثر على فتاة يغرم بها..( يا الله كم تَحَلّب ريقي أيام المراهقة على رغبة؛ على أمنية شاردة؛ ان تكون عندي أنثى أناجيها؛ فقط أناجيها؛ لا اطمع في أكثر من ذلك. ص 35).

على الرغم من الإطالة غير المبررة للسرد الوصفي في عدد من المواقع؛ إلا ان ذلك لا ينكر الدهشة من لغة علوان الفذة، ومعانيها الجزلة في مواقع أخرى كثيرة حيث الاختزال المعبر والعميق (منذ آلاف السنين، المنفى هو مكان آمن للحزن. ص80.) و(كنت أصغي بهدوء كما تحترق الجمرة ص109) و(ان الزمن إذا سلك طريقا سريا في داخلنا، يكون اكبر ممحاة ص 180). وغيرها مما نتركه لتمحيص أصحاب الاختصاص.

وظف محمد حسن علوان جل طاقته الإبداعية؛ من خلال ما مر به، وما قرأه وما دونه من ملاحظات؛ قد التقطها من هنا، أو مر بها هناك؛ ليسطر باكورة أعماله الروائية «سقف الكفاية» هذا إلى جانب تضمينها القليل من التاريخ، وشيئا من السياسة؛ من خلال صديق المنفى «ديّار» العراقي.

كثرة الأخطاء الإملائية لم تؤذ العمل إلى درجة إضعاف السرد، وقد توفر للعمل شروط النجاح أكثر من عوامل الفشل. العمل؛ الذي لم يقدم له أحد، وإنما قدم نفسه واثقا بنفسه، عمل.. حمل المتضادات والمتناقضات؛ الضعف والقوة؛ الماضي والحاضر؛ الإخلاص والخيانة؛ الجد والعبث؛ الخوف والتهور.

ومن حرارة الصحراء إلى برودة كندا، ومن حضن الأم إلى المنفى في فانكوفر، ومن الهروب كما فعل بطل العمل ناصر ومن قبله ديار؛ إلى المواجهة حين أرسل «ناصر» روايته إلى «مها» حيث تدرس مع زوجها في استراليا فيدفعها إلى الحضور إليه.

عمل يتغلغل في الواقع ويخرج منه اليه؛ يحمل سمات البيئة التي ولد فيها؛ عمل يشبه صاحبه، أو بطله؛ حتى في تناقضاته فهو حين يعود من لقاء حبيبته فإنه يتوضأ ويصلي، يتسلل إلى غرفتها ليلا يرتكب المعصية ثم يعود ليستغفر، بالصلاة، العمل يعكس ملامح إيمانية إمعانا في تصوير البيئة المسلمة والتأثر بالدين (يؤجل الله أمنياتنا، ولا ينساها ص 35) أي(إن الله يمهل ولا يهمل).

وهي قصدية لم تكن عابرة، في عمل ذي دلالات جديرة بأن يعاد تناولها بالنقد كمنجز أدبي لموهبة ينتظر منه الكثير.سقف الكفاية عمل يقبض على كل الحواس حتى الانتهاء، ويحرض على التفاعل لدرجة الصداع.

كتبت فاطمة محمد الهديدي: