انشغل الدكتور إياد الحسيني بضبط أصول فن الخط العربي وأنظمته وجمالياته، جامعاً بين قدراته الإبداعية .

ومتابعاته الأكاديمية التي وصل آخرها إلى دكتوراه فلسفة تصميم طباعي من جامعة بغداد عام 1996، داعماً مواكبته العلمية بشهادات تفوق في الخط، كانت الأولى من الخطاط يوسف ذنون ـ الموصل عام 1977 ـ والثانية من حامد الأمري اسطنبول عام 1977 ـ والثالثة من سيد إبراهيم ـ القاهرة عام 1979، عمل أستاذاً وعميداً في كلية الفنون الجميلة في جامعة بغداد ،له العديد من المعارض الفردية والجماعية والدراسات والأبحاث.. شارك في ملتقى الشارقة الثاني للخط العربي ببحثين علميين الأول:

وحدة الذهنية العربية في الفن الإسلامي والنسبية الذهنية في الخط العربي، والثاني: اختلاف المنطق الفكري بين اللوحة الغربية والخط العربي، إضافة لمشاركته بأربعة أعمال فنية خارج المسابقة لأنه عضو في لجنة التحكيم ولجنة التوصيات.

التقت «البيان» الدكتور الحسيني وكان الحوار التالي:

* انطلاقاً من التناقضات القائمة بين الأفكار المتعلقة بتطوير الخط العربي، والانقسامات الحادثة بين مؤيدين ومعارضين، أين يقف الدكتور الحسيني؟ وهل ثمة ضرورة لتطوير الخط العربي؟

ـ التطور سنة من سنن الطبيعة، ومفردة التطور مرتبطة بحاجات الإنسان المستجدة، فلا تطور دون حاجات، وتعدد الخطوط العربية وتنوعها الكبير في القرن الرابع الهجري، كان سببه حاجات مجتمع يتطور ويكبر ويبني، هذه العملية ارتبطت بمناخ فكري شمولي له علاقة بالثقافة والسياسة والحياة الاجتماعية.

ولذلك كانت نهضة ثراء الحياة.. الآن العرب لا يعيشون عصر ثراء، ولا نهضة ولا تطور، فلماذا يتطور الخط العربي؟ ليست هناك حاجات مستجدة تدعو لابتكار خطوط جديدة ،هناك فقط حاجات تقنية لإدخال الحروف العربية في برمجة الحاسوب، أو في ما يسمى معالجة الإبداع الإنساني بالذكاء الصناعي، والحاجة هنا ماسة، لأن الحروف العربية تتشوه بسبب دخول أناس غير خطاطين في صناعة الحرف وإدخاله في الحاسوب.

* لكن أليس ثمة تطوير للحرف العربي في تركيا وإيران، واكبه تطور في المؤسسات والجامعات، بحيث صار الخطاط العربي يحج إلى تركيا كي يحصل على شهادته؟

ـ ليس هناك تطور، بل هناك نهضة، بدليل اننا الآن لم نستطع أن نصل إلى المستوى الذي وصله الخطاطون الأتراك في اسطنبول قبل مئتي عام، أي حين حدث التطور الحقيقي..

وفيما يخص المؤسسات العربية وغيابها، فإنه على مر تاريخ الفن هناك غياب مؤسساتي للعملية الفنية، بسبب طبيعة التعبير الذاتية في عملية الفن، فالفن هو جهد ذاتي محض، وخالص للفنان، وليس جهداً مؤسساتياً، لكن هذا لا يعني أن المؤسسات لا تساهم في بلورة هذا الجهد الفردي وانتشاره ودعمه.

وهذا ما يحدث فعلاً في تركيا، فالمسابقات التي قامت بها، ساهمت في نهضة الخط العربي، وخلقت أجواء من التنافس والتجديد والمثابرة وهذا ما يحدث في ملتقى الخط العربي في الشارقة أيضاً.

* ألا يمكننا القول إن إضفاء القدسية على اللغة، وبالتالي على حروفها ساهم في ثباتها وعدم تطورها؟

ـ بداية علينا أن نرسخ في الخط العربي لمفهوم المصطلح فهناك إرساء لقواعد، وتهذيب، وتجويد، وتطوير.. هذه العمليات كلها حصلت في تاريخ الخط العربي، وكل من هذه العمليات لها فرق كبير عن غيرها، وهناك أيضاً علاقة وثيقة بين جمال المبنى وكمال المعنى.. الحروف العربية ارتبطت بمعان جليلة، وبصافيات الحكم ومأثور القول.

وهكذا عبر زمن طويل كانت معاني الآيات القرآنية الكريمة تترك أثرها الدلالي في شخصية الفنان المسلم وفي سلوكه وتفكيره.. من هذا المنطلق فقد كانت هذه المعاني تنعكس بطريقة رمزية على شكل الحرف حتى وصف بأنه مقدس، إضافة إلى أن الفن الجمعي يرتبط بفلسفة وعقيدة، والجانب المادي في الفن الغربي يرتبط بمدارس وتيارات فكرية، بعضها يقوم على أنقاض بعضها الآخر، فالتكعيبية والسريالية والانطباعية..

وغيرها قامت على أنقاض بعضها وانتهت، أما الفن الإسلامي فإن ارتباطه بالعقيدة والجانب الروحي والحدسي، جعله يختلف عن الفن الغربي بأنه أصبح فن اللامحاكاة، ولا ينتهي ولا يزول بزوال المادة أو التيارات الفكرية السائدة، وإنما يرتبط بالمعتقد واستمراره، وبالتالي النهوض بالخط العربي يعني استحضار العديد من القيم النبيلة في المجتمع واستحضار المناخ الفكري لنشأة الخط العربي وتطوره.

* هناك الكثير من التداخل بين الحروفية والتشكيل واستخدامات لمفردات من البيئة الإسلامية في أعمال تعتمد على المحاكاة أو المدرسية أو غيرها.. فكيف يمكننا الحكم على عمل ما أنه ينتمي أو لا ينتمي للفن الإسلامي؟

ـ هناك الكثير من الإشكاليات التي يعاني منها الخط العربي، كمنهج الخط وموضوع الطباعة، واستخدام الفن التشكيلي والمفردة اللغوية وعلاقتها بالمعتقد وغير ذلك، واحدى هذه الإشكاليات استخدام الفنانين الحرف العربي داخل اللوحة بعد تجريده من شكله الجمالي، بغية إضفاء العروبة والإسلام على اللوحة.

وهذا من وجهة نظر الخطاط يعني انهيار المنطق الجمالي للخط العربي وتشويهه، لكن من وجهة نظر الفنان هو قضية تعبير ذاتية تشبه إلى حد كبير معالجة المنطق الجمالي للوحة الغربية، فالتعبير الذاتي في الغرب هو الأساس، لكن في اللوحة الإسلامية لا توجد ذات للخطاط.. نحن نشاهد فناً إسلامياً لكننا لا نشاهد فناناً إسلامياً.. الفنان غائب وراء الخط وأصوله وأنظمته وجمالياته ومعانيه.

بينما الفنان الغربي ذاتيته واضحة بشكل كبير وشخصيته وأسلوبه الفردي في عمله الفني، بحيث لا نجد لوحتين غربيتين متشابهتين وهناك أيضاً غياب للموضوع، ليس هناك موضوع للخط، هناك شكل يتعامل مع البصر يتجلى في جماله وحركته وألوانه.

والإسلام كمفهوم وفلسفة وعقيدة، هو جوهر الحضارة الإسلامية ومبدأ التوحيد هو جوهر الإسلام وانطلاقاً من مبدأ التوحيد الذي انعكس على الحياة والفكر والاجتماع والسياسة..

انعكس أيضاً بشكل جدي على الفن الإسلامي فهناك مظهر جذاب في كل مورثات الفن الإسلامي وأعلى درجات التناغم ليس هناك فجاجة أو تناقض ، هناك قدر كبير من الموسيقى الروحية داخل هذا الفن الناتجة عن القدر الكبير من التوازن.

حوار: محمود أبو حامد