والجميع يتابع المباراة العربية الأولى في مونديال ألمانيا والتي جمعت منتخبي السعودية وتونس، خطر ببال صديقي «المتفائل» أن يسأل:
ما الذي يحدث لو تم تنظيم مونديال ثقافي عالمي، يتنافس فيه الشعراء والكتَاب والأدباء وأصحاب المواهب الأدبية المحترفة، للفوز باللقب الذي سيسعد الملايين من متابعيه ومحبيه؟، وهل يمكن أن يصل شاعر أو روائي عربي إلى التصفيات النهائية؟، أو يتعادل على الأقل مع مواطنه في الإبداع والفكر؟!
ولأنني وكما الجميع، لا أملك الإجابة الشافية الوافية عن هذا السؤال الطريف الذي لمع لحظة ذلك اللقاء العربي التاريخي.. إلا أنني تذكرت مقالة «جان فرانسوا بورغ» في مجلة «لوموند ماتيك» الفرنسية، والتي يشير فيها إلى أنه وبعد انحسار الإيديولوجيات ظهرت الرياضة كدين جديد للشراكة الإنسانية كي تقدم توظيفات عاطفية، تحتضن الرموز، وتغذي الأساطير، لتبقي النجاح سيد الموقف.
ولأننا نحن العرب لا نحب كثيراً التعلق بالأيدلوجيات، ونستخف بالتوظيفات العاطفية، ولا نحتضن الرموز، كما نكره الأساطير، فليس غريباً على الأقل أن يجافينا حتى النجاح الرياضي على المستوى العالمي، والمضحك أنه وكلما صعد منتخب عربي.
حشدت القنوات العربية المفلسة فكرياً وثقافياً جيوشها من المحللين والمعلَقين والمراسلين الردادين الصدَاحين للإشادة والحديث عن التحضيرات والتدريبات، من دون أن تنسى الصحف والمجلات الاستعانة بأنصاف الشعراء والكتًاب لدعم العرس الكروي العربي الفاشل أصلاً في استقطاب الجماهير العربية لأكثر من الدور الأول، وبدايات الدور الثاني على أبعد تقدير، فكيف إذا جنَ العالم وقرر إقامة مونديال للثقافة، هل ستحشد قنواتنا العربية الإعلامية والثقافية «ترساناتها» وتشمر عن سواعدها للإشادة بعبقرية مرشحيها العرب.
ربما مشاركة الفريق التونسي، جعلتني أعود إلى ندوة «التقنيات الحديثة وأثرها على التلفزيون»، والتي عقدت في منتجعات «الحمامات» بتونس قبل عقد كامل، وجمعت للمرة الأولى في تاريخ الشاشة الفضية مخططي الهندسة والبرامج في بلاد العرب الشاسعة وأوروبا والولايات المتحدة وكندا واليابان.
وفيها اكتشفت مؤسسات التلفزة العربية فقرها المعرفي المدقع وعدم قدرتها على الحفاظ على الحد الأدنى من الهوية الثقافية، فكيف ستستطيع هذه التلفزات تغطية هذا الحدث المهم، أم أنها ستتخلى عنه مجبرة «لقناة» تحتكر حقوق البث، وتحرم عشاق الثقافة من هذا العرس/ الحلم الثقافي الكبير، في زمن تتكاثر فيه عشرات المحطات الفضائية العربية وتنمو كالفطر على أقمارنا التي لا تشع بالنور على الإطلاق.
في ظل سيطرة الإعلان على الإعلام المرئي الذي يسيطر بدوره على الثقافة والفكر، ويحولهما إلى قزم صغير يتضاءل يوماً بعد يوم، فما الذي سيحدث بعد ذلك، ومن سيعوضنا عن كل مشاعر الضياع والغربة والانكفاء على الذات، بعد ضياع الآمال العريضة للوصول إلى كل هذا الفوز الأسطوري البديع.
أعود مرة أخرى لصديقي «المتفائل» الذي ندم لطرحه هذا السؤال البريء بعد أن انتهت المباراة، وغلب الفتور على الابتسامات المعلَبة من حولنا، بانتظار نتيجة المباريات المقبلة في نفس المجموعة على أمل أن يتأهل فريق عربي على الأقل، ويحقق بعضاً من أحلامنا وترهاتنا الضائعة على الدوام.