الفنان التشكيلي العراقي محمد فهمي موسوعة فنية متنقلة. وهو أحدى العلامات البارزة في مسيرة الفن التشكيلي العراقي المعاصر، فقد واكب الحركة التشكيلية منذ بداية سبعينات القرن الماضي، وساهم في إغنائها علي أكثر من صعيد.
وقد اختار محمد فهمي الاستقرار في دولة الإمارات العربية المتحدة ونيوزيلاندا كذلك منذ زمن بعيد. فكون صداقات واسعة، وساهم أيضاً في تطوير الحركة التشكيلية الإماراتية، وقدم الكثير من الأعمال والجداريات المبدعة.
وكذلك أكثر من ستة معارض شخصية خارج دولة الإمارات. وقد حملنا له هموم الحركة التشكيلية العراقية وشؤونها وشجونها، وأردنا منه أن يدلي بدلوه في الكثير من المسائل التي تؤرق العراقيين أنفسهم، وتؤرق من بعدهم العرب جميعاً. سألناه:
ـ ما هو واقع الحركة التشكيلية في العراق اليوم؟
ـ الحالة التشكيلية في العراق اليوم أفضل بكثير من الحالة السابقة. ففيها استنشاق لحرية التفكير، والقرار التشكيلي فيه حرية في اختيار المذاهب الفنية والمدارس، وذلك بسبب الانفتاح على العالم الخارجي، بالرغم من الضغط النفسي على الفنون عامة، والذي يولد بالطبع تأثيراً سلبيا.
ولكن الشيء الحاصل الآن أن هناك نتاجا من الأعمال فيه نوع من العجلة في الإنجاز، خاصة من قبل الفنانين داخل العراق، ومن المؤثرات الإيجابية أن هناك اتصالاً عن طريق الانترنت والفضائيات.
وهذا يعطي الفنان دفعة قوية للتجريب، وخاصة بعد الحصار الطويل وديكتاتورية الحكم السابق، حيث الرؤية الواحدة والقرار الواحد، وفرض القيود على السفر خارج العراق، وهذه أمور تشير إلى أن العراق مقدم على مخاض جديد في مسيرته المعاصرة.
ـ ما سر هذه الحيوية الفائقة للحركة التشيكلية العراقية، والتي تظهر من خلال عشرات الأسماء الجديدة والأجيال المتعاقبة ذات التجارب والرؤى المختلفة، وما الذي يجعل العراق حاضنة ثرية للفن التشكيلي؟
ـ إنني أتفق، في هذا المجال مع قول الفنان خالد الجادر الذي يعتبر أن الجينات الوراثية تلعب دورها في حب الإنسان العراقي للفن بكل أنواعه، مما يولد رغبة مستمرة للاستمرار في هذا المجال. كما أن هذا الشغف يعود إلى حضارة العراق الموغلة في الزمن، والتي تعود إلى خمسة آلاف سنة في مجال الفن، مما جعل الفن التشكيلي جزءاً من الموروث الجيني للعراقيين.
؟ تأثرت الحركة التشكيلية كثيراً بالإمارات التي عصفت بالعراق خلال ربع القرن الماضي، ما الذي يفعله التشكيليون في عراق اليوم للتكيّف مع واقع الاحتلال وانعدام الأمن؟
ـ لقد أفرز الاحتلال ثلاث مجموعات من الفنانين: المجموعة الأولى كانت تدين الاحتلال من خلال المعارض التي تقام خارج العراق. والمجموعة الثانية أخذت جانب الصمت وتأجيل طرح الحالة حتى يتبين الموقف.
والمجموعة الثالثة كانت ضمنياً مع التغيير، ولكن ليس بالضرورة مع الاحتلال، والسبب الرئيسي عندهم هو تردي الأوضاع الفكرية والاجتماعية والاقتصادية في ظل النظام السابق.
ـ تم في ظل الاحتلال سرقة الكثير من الآثار العراقية الخالدة؟ فما هو موقف التشكيليين من ذلك؟
ـ بالنسبة لي شخصياً، تألمت كثيراً من السرقات التي حدثت سواء في متاحف العراق أو لأعمال فنانين كبار. لأن مثل هذه الأعمال هي ملك للإنسان العراقي والعربي أولاً، وهو فوق ذلك تعبير عن حضارة عالمية تهم الإنسان في كل مكان، ولا تقتصر أهميتها على العراقيين فقط، ولذلك يجب على العالم كله أن يسترجع هذا الموروث لأننا فقدنا ركيزة من أهم ركائز العالم الثقافية والحضارية.
ـ ماذا جرى للقوانين التي تستهدف حماية الإنتاج الفني للتشكيليين العراقيين من عمليات التهريب والاتجار غير المشروع؟
ـ إن غياب الدولة والأمن والناس الحريصين على هذا الإرث الحضاري الفني، أدى إلى ظهور هذه العمليات الإجرامية، كسرقة الأعمال الفنية القيمة، وبيعها في الكثير من بلدان العالم. وهي عملية تمثل تدميراً منهجياً منظماً للحضارة العراقية، وخسارة لا يمكن تعويضها أبداً، لأن تلك الأعمال ستكون في أيدي التجار.
ولهذا نطلب من كل عراقي وعربي شريف أن يمتنع عن شراء هذه الأعمال، وأن يعمل بكل السبل على إعادتها إلى العراق، لأن الكثير من هذه الأعمال الفنية يعود إلى مئة سنة مضت تقريباً، وبعضها موجود في بلدان عربية مختلفة الآن. كما توجد آثار قيمة جداً يتم تداولها في مدن العالم الغربي بعد أن سرقت من العراق.
ـ بعد تفجير بعض التماثيل وأعمال النحت، ما تأثير التجاذب الطائفي، والتعصب الديني على الحركة التشكيلية في العراق؟
ـ الطائفية منهج منحرف ،أنا أول من يدينه ويتبرأ منه، سواء أكانت في القرار ام الاختيار. وقد كان العراق دائماً بلداً لا يعترف بالطائفية على مر العصور.
وبالتالي فليس هناك حتى مجال للتفكير بتسرب المسألة الطائفية إلى الفن أو إلى غيره من المجالات. فليس هناك في العراق مفهوم للفن الطائفي. طبعاً هناك بعض الأعمال لبعض أشباه الفنانين، ولكن هؤلاء لا يمثلون شيئاً بالنسبة للفن العراقي، وهم غرباء عن الحركة الفنية.
إنهم يحاولون إثارة النعرة الطائفية في الفن العراقي، ولكن مصيرهم الفشل الذريع، فالفنان العراقي أوعى بكثير من ذلك. وعلى العكس، فالفن العراقي يساهم الآن بكل أشكاله في توحيد العراقيين وتماسك مجتمعهم. ولكن هناك هجمة تحاول التطاول على الفن العراقي.
ومن رموز هذه الهجمة من يدعي خطأ بأن الفن مرفوض إسلامياً، كما حدث في جريمة تفجير أعمال عراقية عظيمة لدواع تتستر بالإسلام، غير أن هؤلاء مجرد سحابة عابرة لابد لها أن تنقشع. وسيبقى الفن العراقي حاملاً راية الوحدة ومدافعاً عن العراق الواحد الموحد.
ـ ما أهم ملامح تجربتك الشخصية خارج العراق، وما هو أثر الغربة على فنك؟
ـ كانت أول رحلة غادرت بها العراق عام 1977، وبعدها غادرته عام 1978 ولم أزل خارجه حتى يومنا هذا، والسبب في ذلك طبعاً الوضع السياسي في ظل الديكتاتورية، وتردي الأحوال المعيشية وغيرها، وخوفاً من أن تؤثر تلك الأوضاع على حالتي النفسية، وبالتالي على طاقاتي الفنية، ولذلك فكرت بالسفر والنضال لكي أكون بالمستوى المعقول فنياً.
وأن أسعى لدعم الفن العراقي من بلاد الغربة. وقد ساعدني السفر على الاحتكاك بتجارب على الصعيد المحلي هنا في الإمارات، وفي العالم الخارجي. وكانت تلك تجارب غنية امتدت طوال 28 سنة.
وما زلت حتى هذه اللحظة أعتقد أن الفنان العراقي عموماً بحاجة إلى الكثير من المشاركات الفردية والجماعية مع فناني العالم كشرط لتطوير الحركة التشكيلية العراقية في الخارج. وأعتقد أن هناك الكثير من الفنانين التشكيليين الذين يعيشون في مختلف الساحات العربية والعالمية في المهجر ويمتلكون تجارب غنية ذات مستوى عالمي يعرف بماهية الفن التشكيلي العراقي.
حوار ـ ليلى العزاوي: