في الرواية وقبلها في الشعر الذي هجر كتابته منذ عقود نجد اللغة عند أوستر في امتحان أمام نفسها. وبما أنه يكتب عموماً عن انهيار الحدود الفاصلة بين ما هو حقيقي وما هو وهم فإن مصير الإنسان لديه يتحدد عبر الصدفة.
يخلق عالماً تولد فيه الأحداث للشخصيات الإنسانية والتي ينعطف فيها مسار حياتها بفعل اللامنطقي واللامسبب من أجل أن تتخذ درباً لم تقرره أو تخطط له.
هذا هو عالم بول أوستر الروائي والشاعر. ولمناسبة فوزه مطلع يونيو الجاري بجائزة أمير استورياس الأسبانية ـ والتي سيتسلمها من ولي العهد الأسباني وتبلغ 64 ألف دولار في مدينة أوفيد عاصمة إقليم استورياس شمالي اسبانيا ـ نعرض هنا لجزء من سيرته التي تبين جوانب من عوالمه الكتابية الثرية.
خالد البدور
فوز أوستر بهذه الجائزة الأوروبية لم يأت غريباً على هذا الكاتب الذي تربى في احضان « باريس» عاصمة الأدب الأوروبي. فالسنوات التي قضاها هناك كانت كما يقول:
« وقتاً ثميناً وأساسياً بالنسبة لي. كنت قد بدأت الكتابة قبل ذلك، وكنت أعرف أن ذلك ما كنت أود أن أفعله في حياتي، كنت قد قررت ذلك. ولكن تلك السنوات عندما كنت طالباً كانت سنوات مجنونة في أميركا. نحن نتحدث عن نهاية الستينات، وكانت جامعة كولومبيا حيث كنت طالباً، مكاناً يغلي بالأنشطة وكنت منغمساً فيها بشكل لا يقاوم.
وبالنتيجة فإنني لم أكتب كثيراً كما كنت أتمنى. أعتقد أنني أحسست برغبتي في ترك أميركا لبعض الوقت. ولم يكن ذلك لأنني رغبت أن أكون مغترباً. أو حتى أن أعود. لقد احتجت إلى مكانٍ للتنفس. وكنت قد بدأت قبل ذلك بترجمة الشعر الفرنسي، كما قد زرت باريس قبل ذلك وأحببتها، لهذا ببساطة ذهبت. الحقيقة أنه ما ان عدت فقد كان واضحاً ما سأقوم به من عمل في حياتي ولم تكن هناك إمكانية للتراجع عن ذلك».
قالت لجنة تحكيم جائزة برنس أوف استورياس: « إن أوستر أبدع أعماله الأدبية من خلال المزج بين التقاليد المثلى في أميركا الشمالية ومثيلاتها في أوروبا وكذلك من خلال تضمين عناصر الفن السينمائي في أدبه، و ان هذا الأديب الأميركي جذب انتباه القراء من الشباب عبر شهادته الثرية من الوجهة الفنية على المشكلات التي يشهدها عصرنا الحالي على المستويين الفردي والمجتمعي ».
كانت ولادة أوستر في نيوجيرسي عام 1947 وبدأ كتابة الشعر وهو لايزال طالباً في جامعة كولومبيا بنيويورك، حيث تعرف على رموز الشعر الفرنسي كرامبو وفيرلين وبودلير، ثم قام بترجمة أعمالهم في بداية السبعينات عندما عاش في باريس مشتغلاً بالترجمة. غير أن المال الذي استطاع به أوستر السفر إلى باريس جاء من عمل غريب، من اشتغاله كعامل بحري على ظهر سفينة.
كيف حدث ذلك؟ يقول: « عملت لمدة ستة شهور على ظهر ناقلة نفط. حصلت على ذلك لعمل بعد أن تركت الكلية. لم أكن أعرف ماالذي سأفعله في حياتي حينئذ. لم أكن أود أن أصبح أكاديمياً، والذي كان الأنسب لي حينها، لكنني لم أكن أرغب أن أستمر في الدراسة، وفكرة أن اقضي بقية حياتي في جامعة كانت لا تطاق.
لم أكن أعرف اي مهنة، ولم أدرس أي شيء يهيئني لعمل ما. كل ما أردت فعله هو أن أكتب، وفي ذلك الوقت كتابة قصائد ومقطوعات نثرية. أعتقد أن طموحي كان هو أن أحصل على بعض المال لأستمر في حياتي، ولم أكن أحتاج الكثير، فلم أكن متزوجاً حينها ولم يكن لدي أطفال.
لقد تبين أن زوج والدتي كان شخصاً قريباً مني، وهو الشخص الذي أهديت له كتابي (قصر القمر) «نورمان شيف» رجل رائع والذي كان يكسب عيشه من العمل كمحام للعمال. أحد عملائه كان « اتحاد عمال إسو»، لهذا كنت أعرف عن السفن والحياة والأعمال فيها. وقد كنت على وشك ترك الكلية فقلت له:
نورمان..هل تعتقد أنك يمكن أن تتدبر لي عملاً على ظهر سفينة؟ رد بالقول: «سوف أهتم بالأمر لأجلك». وكان من الصعب الحصول على مثل تلك الأعمال، لأنه كان من الضروري أن تحمل أوراق عامل بحري ولم يكن من الممكن أن تحمل أوراق عامل بحري ما لم تكن تعمل على ظهر سفينة.
وكان يجب أن يكون هناك طريقة لإختراق ذلك القانون. هكذا فإن نورمان هو الذي رتب لي ذلك العمل. لهذا تهيأت للأمر وكان ذلك شيئاً مدهشاً. لقد مررت بكل الاختبارات، وحصلت على الأوراق، وكان يجب علي ان أجلس وأنتظر ريثما تأتي سفينة من ذلك الأسطول إلى منطقة نيويورك بها مجال للعمل، ولم يكن من الواضح كم سيستغرق ذلك من الوقت.
في ذات الحين ـ أي عام 1970 ـ حصلت على عمل في مكتب الإحصاء الأميركي. في رواية (الغرفة المغلقة) وهو الجزء الثالث من (ثلاثية نيويورك)، هناك مقطع حيث يتحدث المعلق عن العمل في مجال الإحصاء ولقد أخذت ذلك مباشرة من حياتي.
وكما هو في الكتاب انتهيت إلى أنني قمت باختراع اشخاص. هذا شيء من الفضول، على العموم، في ذلك الوقت تقريباً، برزت لدي مشكلة مع ضرس (العقل) وتوجب علي الذهاب لطبيب الأسنان حتى أقتعله. وخلال جلوسي على كرسي طبيب الأسنان، وكان يحمل في يديه (كمّاشتين) وهو على وشك قلع ضرسي، عندما رن الهاتف.
كان زوج والدتي الذي قال: حسن، وصلت السفينة، عليك أن تذهب، وتبلغهم، وخلال ساعتين يجب أن تكون على ظهر السفينة. أتذكر أنني قفزت من كرسي طبيب الأسنان ولازالت صدرية العلاج فوق صدري، وقلت:
«آسف، علي أن أذهب». وهكذا ركضت ووصلت، ووقعت على الأوراق في سفينة (إليزابيث ـ نيوجيرسي). وتوجب علي الانتظار أسبوعاً إضافياً لأقتلع ذلك الضرس في تكساس. أبحرت السفينة حول خليج المكسيك، وكان كل شيء جديدا بالنسبة لي. فلم أكن قد ذهبت إلى الجنوب، ولا أعرف كيف هي تكساس، ولقد تعلمت الكثير خلال تلك الشهور.
بالإضافة إلى أن ذلك كان مصدراً جيداً للدخل المادي ـ فقد وفرت بضعة آلاف من الدولارات، ومن خلال ذلك المال تمكنت من السفر إلى باريس، حيث أمضيت السنوات الثلاث أو الأربع اللاحقة ».
سيبقى أوستر في عالم الشعر في باريس عاملاً في الترجمة ومترجماً الشعر للفرنسي وبعضه كان شعر السرياليين في السبعينات، فكيف حدث أن أصبح روائياً في الثمانينات. يعلق: « الطريف في الأمر أنني كشاب حاولت الكتابة الروائية وكتبت الكثير إلا أنني لم اقتنع بتلك الكتابات. فروايتان من الروايات التي نشرتها بعد ذلك بدأت الكتابة فيهما عندما كنت في العشرينات من عمري.
رواية (في بلاد الأشياء الأخيرة) ورواية (قصر القمر). فقد كتبت فيهما الكثير إلا أنني لم أشعر أنني قادر على القبض على الحس الروائي فيهما، لهذا وضعتهما جانباً مقرراً أنني لن أستطيع كتابة الرواية وسأستمر في كتابة الشعر. كنت دوماً مهتماً بالشعر الفرنسي إلى جانب اهتمامي بشعري.
كنت أترجم لشعراء فرنسيين معاصرين وكان ذلك من جانب آخر محاولة لكسب المال، حتى أدفع لأكلي ولأضع خبزاً على طاولتي. كان ذلك مجهداً وغير جيد ولم أكن أحبه. ولقد انتهيت بأنني كنت أترجم كتباً من الدرجة الثانية مكتوبة بشكل سيء في موضوعات لاتهمني إطلاقاً.
أما المال الذي أحصل عليه فقد كان شحيحاً جداً، إلى درجة أنني تصورت أنني لو عملت طباخاً لكان ذلك أفضل لي. أقصد إلى هذه الدرجة كان الوضع سيئاً. في منتصف السبعينات كتبت بعض المسرحيات أيضاً ولكن في نهاية السبعينات دخلت في وضع كارثي على كل الأصعدة، بشكل شخصي وبشكل إبداعي وكنت منهاراً تماماً حيث لم أكن أمتلك لا المال...ولا الأمل.
وتوقفت عن الكتابة تماماً لفترة من الوقت. الشيء الوحيد الذي تمكنت منه هو أن أكتب رواية بوليسية تحت اسم مستعار خلال ستة أسابيع فقط لأحصل على المال.
كنت فقيراً جداً وهكذا كتبت أول رواية في حياتي. استمرت هذه الحالة لمدة سنة تقريباً ولم انتج فيها أي شيء. عندما بدأت الكتابة مرة أخرى في نهاية عام 1978 بدأت في الكتابة الروائية، والواقع أنني لم أكتب قصيدة واحدة بعد ذلك. لقد توقفت تماماً وبدأت مرة أخرى، وهذان الفصلان من حياتي ككاتب كانا مختلفين جداً».
بين ضفتي الأنا والآخر، بين الوجوه الحقيقية والأقنعة يتأرجح أدب بول أوستر. من خلال المفاجأة واللامتوقع يتحدد مصير الكائن. كأنما الكلمات في أدبه تلتقي دونما سبب كي تبحث عن اسبابها. في الشعر وفي الرواية والسيرة الذاتية يصبح الكائن البشري عرضة لرياح المفاجآت والحوادث التي ترسم مصيره.
تبحث الشخصيات في جوع أبدي لا ينتهي عن اسمائها. وعن أسباب وجودها، وفي بحثها عن الإجابة لا تجد في النهاية سوى الشك والريبة، ولكي تستمر في هذا الوجود عليها أن تصنع الأقنعة وترتديها، وبهذا تتلاشى الحدود الفاصلة بين الوهم والحقيقة.