خلال فترة وجيزة ومتقاربة؛ صدرت عن دار الساقي روايتان ترصدان عوالم شخصانية واجتماعية في أحد الأقطار الخليجية؛ ولو استثنينا سقف الكفاية لمحمد حسن علوان، الصادرة من قبل عن دار الفارابي؛ والتي تتناول واقع البيئة الاجتماعية للقطر نفسه؛ فإن الروايتين المعنيتين هما «بنات الرياض» لرجاء الصانع، و«ملامح» لزينب حفني.
وعلى الرغم من أن بعض ما تناولته الروايتان سبق تناوله من قبل كتّاب أقدم في مجال الكتابة الروائية؛ إلا أن الجيل الجديد خاصة من الروائيات بدا أكثر تركيزا على قضايا بعينها؛ مخصصا عمله لقضية محددة بكثير من الجرأة والوضوح والمكاشفة؛ الأمر الذي قد يفوق جرأة من سبقوه، وذلك من خلال الولوج إلى عالم المرأة بواسطة المرأة نفسها.
تقدم الكاتبة والروائية السعودية زينب حفني عملها الروائي الجديد «ملامح»®. تكشف فيه أشكال التطرف، والانحراف، كما ترصد مبرراتهما.
وتلقي حفني بالأقنعة عن وجوه الوصوليين، وتشير إلى المنحرفين والمتطرفين؛ في سياق يقدم الأسباب التي أدت إلى الوصولية، بالقفز على سلم العلاقات، والوصول إلى المصالح الشخصية من أضيق القنوات؛ تلك هي قناة المتعة الأشد تحريما؛ حين يقدم الزوج امرأته لرئيسه في العمل؛ مختصرا بذلك مراحل ترقيه وتقدمه في مراتب عمله على من سبقوه في الأقدمية والخبرة والأحقية.( كانت تعني زيارة السيد علوي لبيتنا أنني وضعت رجلي على أولى درجات سلم النجاح.
نعم تعمدت التغيب عن البيت، أثناء قدومه ذلك المساء، لم يكن قرارا سهلا عليَّ؛ ظللت أسير بسيارتي في طريق جدة، قلبي تصفعه كفوف الغيرة، فؤادي تحاصره عواصف من الثورة، كرامتي تجلدني بقسوة، رجولتي حاولت أن تتمرد عليَّ، كبحتها بعد جهد،....
قفلت راجعا إلى البيت، حدقت في وجه ثريا، سألتها هل جاء السيد علوي في غيابي، ردت بالإيجاب وبدت مضطربة بعض الشيء، متلافية النظر في وجهي... أدركت ان المحظور قد وقع.. بدأت أعتاد دفن كبريائي. أصبح بيتي يستقبل رجال أعمال مهمين، ومسؤولين بارزين من مختلف الدوائر الحكومية.... كانت ترقياتي السريعة تثير حفيظة العديد من زملائي الذين سبقوني في سنوات خبرتهم....ص86-87).
ثريا وهي بطلة ( ملامح ) زينب حفني. فتاة ذات نزعة تمردية؛ تثير خوف والدها وقلقه عليها أكثر عن باقي أخوتها وأخواتها بسبب تطلعها إلى مستوى أعلى من مستوى معيشة الأسرة الفقيرة والتي يكابد معيلها الأمرّين في سبيل تأمين احتياجاتهم الأساسية في مواعيدها؛ إلا أن الحب الذي جمع حامد والد ثريا وأمها كان البلسم الذي يمنح الاستمرار بالرضا والقناعة والصبر.
وهو الأمر الذي كانت ترفضه ثريا بتكرار حديثها مع نفسها بألا تكون مثل أمها. تتعرف ثريا على نور المنتمية إلى الوسط المخملي حيث تفتح عينيها على مباهج أخرى في الحياة، كما تتعرف على عالم الرجل؛ بقضاء نهاية الأسبوع في شاليهات تجمعهما مع شباب.
أعمال علوان والصانع والآن حفني تؤكد على حقيقة واحدة أن في المجتمعات الشديدة التحفظ هناك نزعات شديدة التطرف، وانحرافات عديدة بعيدة عن السطح؛ لكنها ضاربة في عمق الواقع وممتدة. حين يغيب المنطق، وتتملك المرء الرغبة الجامحة في اختصار الزمن، ويغريه الطموح إلى مستوى أعلى من قدراته فإنه يتخلص من القيم ويسقط الأخلاق ولكل تصرف لديه مبرره الذي يتوافق مع ضميره النائم.
تصدمنا حفني؛ بلغة غاية في البساطة، والاختزال، وتحيل المتلقي إلى تساؤل قد يشكك في سيَر وكفاءة كثير من الأسماء اللامعة في الحياة العامة وإن كثيرا من هؤلاء المشاهير اللامعين؛ جاؤا من أوساط اجتماعية بسيطة؛ لكن لم تكن المصادفة، ولا الحظ هما البساط الذي استقلوه للتحليق إلى المراتب العليا كما يراهم العامة.
وإنما هي تجاوزات مقصودة ومتعمدة يقنع فيها كل منهم بأنها مرحلة تكوين أو تأسيس يعود بعدها إلى منظومة القيم السوية؛ شرط أن يتخلص من شركاء المرحلة، ويخرج إلى أفق آخر يصوغ فيه ذاكرة جديدة، وتاريخا حديثا لمرحلة هي مرحلة حصد النتائج، وجني المحصول وفق الأنانية الذكورية.
«ملامح» زينب حفني تعري عوالم الفتاة و المرأة والرجل في مجتمع ذي خصوصية معقدة؛ وتكشف عن تواطئ المجتمع في انحرافات أخطر من الانحرافات التي سبق تناولها في أعمال أدبية أخرى وأحدثت ضجة بلا هوادة في العالم العربي ومنها صمت القصور التونسي الذي كشف عن جرائم البايات في مرحلة ما قبل الثورة.
ملامح عمل ينكأ دمل المفاهيم المغلوطة البعيدة عن المنطق والفطرة، وهذه تتضح في علاقة الأب حسين بابنه الوحيد زاهر الذي يدفعه رفض والده له؛ إلى الانطوائية، والانعزال، ولاحقا يلتحق بمتطوعي أفغانستان، ومن ثم يتسلل عبر الحدود العراقية بعد الاحتلال الأميركي للعراق؛ فيقضي نحبه في تفجير على الحدود.
وتدخل «ملامح» إلى واقع العلاقات المثلية.. (دخلت هند بيتي بصحبة قريبتها لشراء بعض الملابس، أهم ما يميزها ذلك الحياء... على الرغم من أنها تقارب الأربعين من العمر.
سألتها ما السبب الحقيقي لعدم زواجك إلى الآن؟ توفي والدي قبل سنوات، ترك لي إرثا كبيرا. الآن يقف إخوتي ضد زواجي بحجة أن كل من تقدم للزواج مني طامع بمالي... كانت تأتيني أحيانا بعد منتصف الليل، تقرع جرس الباب في إلحاح، كنت أتجاهلها عندما تعزف نفسي عنها......ص110 ـ 111 ـ 113). هذا إلى جانب كشف المستور عن عمليات اغتصاب المحارم.
أما السؤال الذي يفرض نفسه هنا، ونختم به هذه القراءة؛ لمَ لمْ تثر «ملامح» زينب حفني الضجة نفسها التي أثارتها «بنات الرياض» لرجاء الصانع على سبيل المثال، وهما انطلاق وانعكاس لبيئة محافظة واحدة، وترجمة للواقع الاجتماعي نفسه؛ مع الأخذ بالاعتبار ان ما تطرقت إليه زينب في روايتها أكثر أهمية وعمقا؛ من أطروحة رجاءالصانع وللحديث بقية وقراءات مستفيضة.
فاطمة محمد الهديدي: