استضافت صالة «مودنو آرتي» في دبي مساء أول من أمس، الفنان التشكيلي السوري طلال معلا، ضمن معرض تحت عنوان «الصمت» يضم نحو ثلاثين لوحة بأحجام متباينة، منفذة بألوان الاكريليك على القماش، وهو المعرض الخامس له بالعنوان نفسه، بعد معارض عدة في دول عربية وأوروبية، منها الأردن، البحرين، ألمانيا، اسبانيا، ايطاليا.

يعد هذا المعرض امتداداً لتجربة طويلة، اشتغل فيها معلا على انزياحات متنوعة في مقاييس جمال الوجه البشري، ظلت رغم غرابتها في مصاف المعقول، وان كان ثمة تجاوزات في انتزاع بعض المكونات الأساسية للوجه، أو في التعامل مع ألوان البشرة، تعدت التمرد على المسلمات، لكنها في الوقت نفسه عززت دفق الأسئلة التي تعيد التساؤلات مع الفنان وله على الصعيد الفني من جهة، والفكري والفلسفي من جهة ثانية.

قواسم مشتركة

إن الشغل على رسم الوجوه فيه الكثير من الصعوبة، ليس من منطلق علم التشريح ودقته، فالحداثة فسحت مجالات شاسعة لتجاوز ذلك، بل من منطلق ربط الملامح بتعبيراتها، وعدم تكرارها، خاصة أن أغلب الفنانين يرسمون وجوههم أو وجوه من يعرفونهم.. إضافة إلى انه يقارب المستحيل وصول فنان ما إلى تشكيل وجهه الخاص به.. وهذا ما يعيد التساؤل عن تجربة معلا: هل يريد التوصل إلى وجهه الخاص، ليصير بالإمكان فعلاً أن نقول وجوه معلا؟

إن المتمعن في الملامح التي يسعى معلا في انزياحاتها لتشكيل «وجوهه» يجدها متشابهة أحياناً، لكن المثير فعلاً أنه قلما نجد في المعرض وجهاً يشبه الآخر إلا بطريقة قصدية، ارادها الفنان، وهذا ما يشكل قاسماً مشتركاً بين اللوحات، ويعطي لمعلا خصوصية في تعامله الدقيق مع تركيب الملامح المتشابهة ليصل إلى تشكيلات مختلفة للوجوه.. وهنا يتولد الانشطار بين معلا الباحث عن ملامح، ومعلا الباحث عن تعبيراتها، تماماً كما الأنف المشترك الذي يشطر الوجوه إلى نصفين بقوة وصلابة «وصمت أيضاً».

البحث عن مفهوم آخر للصمت يتجلى تماماً في تجريبية معلا، فالصمت لا يعني عكس القول ـ ففي البدء كان الصمت، وإلا لا وقع للكلمة ـ بل يعني عدم القدرة على الفعل، يعني الخنوع، الاستلاب، ويعني عدم القدرة على الحركة، ويتمظهر ذلك بغياب الأطراف عن لوحاته، لكنه يعني أيضاً أن هذه الملامح تعبر عن دواخلها بالرفض، ضمن انزياحات ووضعيات لها، يقرأها كل مشاهد تبعاً لمرجعياته، إلا أن الصمت الذي يعني عدم القدرة حتى على الوجود، فيظل في حيز الأسئلة، وتعزز غموضه، أو تزيد تعقيده حالة غياب العيون كقاسم مشترك في كل الوجوه؟!.

في المعرض قراءات واضحة لعلاقة الظاهر بالباطن تتصل بمرجعيات صوفية وفلسفية، وتتجلى مفاهيمها الفنية والتعبيرية في قدرة معلا على استحداث ملامح طوطمية، وحالات انفعالية مغرقة في المعاناة الإنسانية التاريخية، لوجوه كانت أقنعة، ولأقنعة صارت وجوهاً، في حركة متعاقبة لاستبطان ملامح الوجوه لدواخل أصحابها النفسية، أو الذين كانوا أصحابها، بعيداً عن المركبات». الأخرى للانزياحات الجسدية..

والقاسم المشترك في تلك العلاقة هي حالة التشاؤم، أو ربما الشعور باللاجدوى، وان دل هذا على عمق أحاسيس الفنان بالقضايا الكبرى وهموم الناس اليومية.. فهذا لا يعني أن تصل تلك الحالة إلى إطفاء العيون!؟ ولا يمكن لفنان مثل معلا، له باع طويل في النقد الفني، أن يصل بشخوصه إلى حالة العماء، وإلا وُلّد هذا انزياحات في القول، تصل إلى أن البحث عن الخصوصية في امتلاك الوجوه، أخلّ بمنطق اللوحة كمنجز فني متكامل،

أكان على صعيد الهروب من قدرة استبطان الوجوه لدواخل الذات بوجود بريق يفضح «العتمة» أو على صعيد التجانس في التجربة الواحدة واضفاء صفة الفرادة عليها، أو حتى على صعيد إمكانية أن يصل التجريد أو الانزياحات إلى إلغاء مكوّن من مكونات الوجه البشري، ومشروعية ذلك!؟ ومع أن إصرار معلا على الاستمرار في تجربة صعبة من هذا النوع، يفرض حالة من «الصمت» أساسها تأمل المنجز، وترقب الآتي.. إلا أنه بغياب بريق العيون، ثمة تكرار في آلية التجريد، والعناصر المجردة.

لا للمسلمات

ما يميز طلال معلا كفنان وكناقد، انه لا يؤمن بالمسلمات، دائم البحث عن المفردة، والمعنى، والتعبير، دائم الاشتغال على المرجعيات بكل تنويعاتها، والمفاهيم بكل تجلياتها.. والتجربة الحالية التي يعيشها، فيها إعادة نظر في الكثير من المسلمات، وليس الصمت ومفاهيمه وحسب، بل في السائد من مقاييس جمال وجوه، والبحث في تراكيب جديدة، فيها الكثير من الافتراضات والتأملات والاصغاء، لما تبوح به وجوه شخصياته عن دواخلها، له هو ذاته من جديد..

وربما باختياره للمرأة اضفى على هذا البوح رهافة وعاطفة وحدة وطزاجة.. ولا تتوقف إعادة البحث في المسلمات على صعيد البنية الفكرية والنفسية لعلاقته بذاته وبأعماله، بل على صعيد علاقته مع بنية اللوحة وعناصرها وألوانها، فتارة يحضر الناقد ويغيب الفنان، وتارة يغيب الفنان ويحضر الناقد، وحين يجمعهما ذاك الأنف الذي يشطر الوجوه.. تصير الأسئلة أكثر قساوة..

فمن «اللا للمسلمات» يجرد معلا الوجوه التي يرسمها من ألوانها الطبيعية، أي يجرد الألوان من مفهومها المرتبط بالبشرة، ويستبدلها بألوان مغايرة تماماً للتوقعات، فمنها ما تكون بعيدة كل البعد عن المفاهيم التقليدية لمزج الألوان وحضورها.. ومنها ما تكون نافرة وخارجة على المألوف.. ومنها ما تكون قريبة ومتطاولة على السائد..

ومنها ما تكون صادمة.. لكنها في أغلب الحالات تساهم في تعبيرات تلك الوجوه عن دواخل أصحابها.. وان تظهر هنا وهناك خطوط ورتوش، بعفوية ما، وتدل على أن ثمة عبثا أو تسرعا في الشغل عليها، إلا أن لوحة قريبة أو بعيدة من تلك اللوحة، تعيد صياغة التأويلات من جديد، وبهذا تتباين القراءات لمعرض طلال معلا، وتأخذ تجربته «الصمت» الجدل معها في تواصلها.

محمود أبو حامد