الموت حق على الجميع، ولا يبقى إلا وجه الكريم

ولموت الشعراء حكايات يتداولها محبو الشعر، ليس الآن فقط بل ومنذ أقدم العصور.

دعبل الخزاعي.. الذي هجا الناس والأمراء والخلفاء، ولم يقتله أحد، حتى كان يقول «لي خمسون سنة أحمل خشبتي على كتفي، أدور على من يصلبني عليها فما أجد من يفعل ذلك»، وخاب ظنه ومات ميتة طبيعية عام 246هـ بقرية اسمها الطيب في العراق.

أما أبو تمام.. ولسانه أكثر سلاطة من شعر دعبل، يقال إنه مدح الخليفة أحمد ابن المعتصم، بقصيدته السينية، فلما انتهى فيها إلى قوله:

إقدام عمرو في سماحة حاتم في حلم أحنف في ذكاء أياس

قال له الوزير: أتشبه أمير المؤمنين بأجلاف العرب؟

فأطرق ساعة، ثم أنشد:

لا تنكروا ضربي له من دونه مثلاً شروداً في الندى والباس

فالله قد ضرب الأقل لنوره مثلاً من المشكاة والنبراس

فقال الوزير للخليفة: أي شيء طلبه فاعطه، فإنه لا يعيش أكثر من أربعين يوماً، لأنه قد ظهر في عينيه الدم من شدة الفكرة، وصاحب هذا لا يعيش إلا هذا القدر. فقال له الخليفة: ما تشتهي؟ قال: أريد الموصل فأعطاه أياها، فتوجه إليها وبقي هذه المدة ومات، كما يقول صاحب وفيات الأعيان، لكنه يستدرك فينفي صحة هذه الرواية، وفي مكان آخر يذكر أيضاً عجب أبي يوسف يعقوب بن الصباح، الفيلسوف الكندي الذي كان حاضراً، وقد أخذوا منه القصيدة فلم يجدوا البيتين فعجبوا من سرعته وفطنته، وقدرته على ارتجال الشعر.

إلا أن الشاعر «أبا فراس الحمداني» الذي وصفه الثعالبي بانه كان فَرد دهره، وشمسَ عصره، أدباً وفضلاً، وكرماً ومجداً، وبلاغة وبراعة، وفروسية وشجاعة... الخ، فله ميتة أخرى، فيقال إنه مات إثر واقعة جرت بينه وبين «أبي المعالي بن سيف الدولة» بحمص في الشام، الذي حاربه وأخذ رأسه وترك جثته مطروحة في البرية. وفي رواية ثانية أنه وقع أسيراً في أيدي الروم، وكان قد جرح ثم أسر ففداه سيف الدولة، وتنسب له قصيدة بهذا الخصوص يخاطب بها ابنته.

ابنتي لا تجزعي كل الأنام إلى ذهاب

نوحي عليّ بحسرة من خلف سترك والحجاب

ولعلي هنا أذكر أن شعر أبي فراس المُغنّى مازال بيننا حتى الآن، خاصة ما أنشده الراحل ناظم الغزالي، حتى ان الناس تحفظه دون أن تدري انه منسوب لهذا الشاعر الجميل وليس أشهر من قصيدته التي يغنيها الغزالي ويقول فيها:

أقول وقد ناحت بقربي حمامة أيا جارتا هل بات حالك حالي

معاذ الهوى ما ذقت طارقة النوى ولا خطرت منك الهموم ببال

أيا جارتا ما أنصف الدهر بيننا تعالي أقاسمك الهموم تعالي

أيضحك مأسور وتبكي طليقة ويسكت محزون ويندب سالي

لقد كنت أولى منك بالدمع مقلة ولكن دمعي في الحوادث غالي

أما حكايات الشعراء خلال القرن الماضي فلهم قصص أخرى، نوجزها بسطور على الرغم من أنها مؤلمة وغريبة.

أحمد شوقي.. مات إثر أعصاب مستهلكة كما يقول ابنه حسين شوقي في كتابه الموسوم «أبي شوقي».

أمل دنقل.. الذي ظل مصراً على عدم المصالحة مع العدو، وظل يصرخ لا تصالح، انتصر عليه السرطان عام 1983.

صلاح عبدالصبور.. تراجيديا الموت، يموت أمام أعين أصحابه، خلال سهرة عائلية تجمعه مع جابر عصفور وأحمد عبدالمعطي حجازي وغيرهم، فينقلب الفرح إلى فاجعة مازالت آثارها على رفاق دربه.

بدر شاكر السياب: الصراع مع المرض والغربة والبطالة والتدرن والجوع، وسلطات الأمن العراقي، ورفاق الدرب، يموت وحيداً على شاطئ الخليج في الكويت.. ويدفن في الزبير.

خلفان بن مصبح.. يحارب السل منقولاً بين الهند والبحرين، ومسقط رأسه الحيرة بين عجمان والشارقة، لكنه يستسلم أخيراً ويموت شاباً.

محمود البريكان.. اغتيال مقصود.. وسجلت القضية ضد مجهول.

سلطان العويس.. الموت في العلالي.. موت سريع ومريح.

كذلك البياتي الذي أسرع للسفر إلى الشام حتى يكون قريباً من ابن عربي الذي دفن في مقبرته، ولم يمهله الموت التمتع بجائزة العويس أيضاً. هكذا تختلف الحكايات ويبقى الموت حقاً علينا، وإن كرهناه، لكن الشعراء لهم ميتة خاصة مثلما هي حياتهم، وكما يقول المثل «تعددت الأسباب والموت واحد».

abdulelah_q@hotmail.com