أسمهان توفيق.. فنانة من زمن الرعيل الأول والفن الصادق الجميل، استطاعت عبر مشوارها الإبداعي بين التمثيل والكتابة والإخراج أن تقدم نموذجاً لطموحات المبدع التي لا تنتهي، مؤكدة أنها تشعر بالفخر لعملها مع رواد المسرح في الخليج العربي، معتبرة عملها على خشبة المسرح من النقاط المضيئة في تاريخها، متذكرة بحنين زيارتها الأولى لدولة الإمارات العربية المتحدة في أواسط السبعينات.
* بداية هل صحيح أن ابتعادك عن المسرح لصالح التلفزيون والكتابة الدرامية، جاء بعد دراستك وتخصصك الأكاديمي بالقاهرة؟
ـ بعد مشاركتي الأخيرة في مسرحية «الأوانس» التي قدمها مسرح الخليج العربي في أواخر الثمانينات، لم أجد نصاً جيداً أستطيع من خلاله العودة إلى خشبة المسرح التي علمتني الكثير، فأنا لا أحبذ فكرة العودة والمشاركة بنص هزيل، وقد أخرجت للمسرح أكثر مما أخرجت للتلفزيون، هذا إذا استثنينا الإذاعة، التي علمتني الكتابة الدرامية، وأعترف هنا أنني ابتعدت عن التلفزيون كممثلة بسبب الكتابة التي أخذت مني حيزاً كبيراً.
* وما الذي دفعك للتوجه نحو الكتابة بعد هذا المشوار الفني، وهل طرحت أغلب القضايا التي شغلت بالك؟
ـ من خلال الكتابة وجدت نفسي ووجدت أنني أستطيع التعبير وتغيير الكثير من الأشياء التي تهمني، بعكس الممثل الذي يختار له الدور، ضمن رؤية المخرج العامة، وفي الكويت في فترة السبعينات والثمانينات، كان التركيز على الإذاعة بشكل أساسي، فقد كنا نكتب المنوعات والبرامج التسجيلية والمقابلات أحياناً، لكن أمام محك الدراما كان الأمر مختلفاً نوعاً ما، لأنني بدأت بكتابة السهرات التلفزيونية،
وما زالت عندي نصوصي القديمة التي أحرص على كتابتها بخط اليد دون استخدام أي تقنية حديثة، وفي أحيان كثيرة أجلب هذه النصوص القديمة وأرى أنني كنت مبدعة في ذلك الوقت، لكنني الآن أشعر بأهمية التجربة والخبرة والمران والجرأة في الطرح، بعد أن كنت أتحسس الأشياء على استحياء، في ظل «رقابة» ومناطق ممنوعة، بينما الآن نحن أمام مناطق جديدة وانفتاح لم يمس الأخلاق والدين وهذا أمر متعارف عليه، لذلك عندما أطرح بعض القضايا في المجتمع يجب أن أكون على حذر.
* وما هي الفكرة التي تشغل بالك حالياً ويمكنك تقديمها في عمل درامي؟
ـ لدي خطوط أساسية حول ما يحدث داخل مجتمعاتنا العربية، من فصل بين واقعنا الحالي الذي نعيشه، والحالة الفنية، فليس من المعقول أن أتوجه إلى شكل معين من أشكال الدراما الاجتماعية كأن أتناول منطقة رجال الأعمال التي كثرت في الآونة الأخيرة في المسلسلات المصرية، لأن هذا ليس مجتمعنا بأكمله، وإذا كان هناك هذه المنطقة فهي لا تشكل إلا نسبة صغيرة جداً، ويكفي أن أقول أنني أحب المسلسلات الاجتماعية السورية لأنها تتعرض إلى هموم الناس ومشاكلهم.
* ألم تفكري في كتابة نصوص مسرحية؟
ـ أبداً.. ولكنني أكتب الآن سيناريو فيلم كثاني تجربة لي بعد تجربتي الأولى في سيناريو «البشارة» الذي لم أقدمه لمخرج، لأنني تصورت أنني من سيخرج هذا الفيلم، أما الفيلم الجديد فوضعت له عنواناً مبدئياً هو «عنق النعامة» أتمنى أن يرى النور، كذلك عندي رواية لم تر النور،
وفكرة نص مسرحي تجريبي بمنطقي وطقسي المسرحي لم أعرضها على أحد، وبالنسبة لي أجد نفسي في حالة انشغال دائم، وأنا سعيدة بالأعمال التلفزيونية التي شاركت بها مع أنني كنت أتمنى لو كان المنتج أكثر كرماً من الناحية الإنتاجية، كمسلسل «طعم الأيام» الذي ما زال يعرض حتى الآن، ويعاد مرات عديدة، لأنه فعلاً خدم إنتاجياً، وأعتبره نقطة مضيئة في تاريخي الإبداعي.
* وما هي النقاط غير المضيئة في تجربتك المسرحية؟
ـ حقيقة لم أقدم أبداً نصوصاً غير راضية عنها، لأن المسرح اختيار، حتى دوري في أول مسرحية كوميدية.
* لو عاد الزمان بك هل تختاري أن تكوني ممثلة أم كاتبة أم مخرجة؟
ـ الثلاثة.. من دون أن أخلط بينهما، فعندما أكون مخرجة لا أحب أن أكون ممثلة. لأنني فعلتها مرة واحدة وكنت تعيسة جداً، من خلال مسرحية، لم أنس فيها دوري كمخرجة أراقب حركات الممثلين، لذلك لم أكرر هذه التجربة، لكنني أشعر أنه يمكن أن أكتب وأمثل.
* وكيف تشعرين أن بناتك امتداد لتجربتك الإبداعية والإنسانية؟
ـ لا أحد امتداد أحد، ابنتي «مريم» فنانة تشكيلية، و«وفاء صادق» ممثلة وأم رائعة، أنجبت طفلتين رائعتين، وهذا أمر يسعدني، تماماً مثلما تطلب مني المشورة عندما يعرض عليها عمل فني وتحتار فيه، كذلك ابنتي الصغيرة «سعاد» التي أحبت أن تحترف الغناء، ولأنني أخاف عليها وهي صغيرة، أنتجت لها شريطاً غنائياً، أرجو أن تحقق من خلاله النجاح، وهنا لا بد أن أقول أنني صدمت بالوسط الموسيقي العربي، الذي أصفه «بالسخيف» وأسوء وسط تعاملت معه، على عكس ما نعرفه عن الفن من سمو ورقي.
* تقصدين علاقتك بالراحل خالد النفيسي ورفاق دربه؟
ـ بالتأكيد.. فقد بدأنا مع بعض من خلال المسرح العربي مع الأستاذ «زكي طليمات»، وأول مسرحية شاركت فيها كانت مع الراحل «خالد النفيسي» و«غانم الصالح» و«سعد الفرج» و«عبد الحسين عبد الرضا» وآخرون، كما كان إلى جانب فرقة «المسرح العربي»، فرقة «المسرح الشعبي» وبعدها تأسست فرقة «مسرح الخليج العربي» وفرقة «المسرح الكويتي»، وجميع هذه الفرق كانت تعمل وكأنها فرقة واحدة، وما زلت أذكر مسلسل «مع أبي وأمي مع التحية» الذي عرض مؤخراً على «سما دبي»، وما زال يتمتع بنفس الألق والمتابعة رغم مرور كل هذه السنوات.
* وكيف تصفين علاقتك بالإمارات العربية المتحدة؟
ـ أعترف أنني لم أزر الإمارات منذ زمن بعيد.. أيام كان يفصل بين «الشارقة» و«دبي» دوار صغير، ويافطة مكتوب عليها «ابتسم أنت في الشارقة»، كنا حينها في عام 1977م، نعرض مسرحية «على هامان يا فرعون» في أبو ظبي، وكنت أسأل بعد أن وصلنا إلى «دبي» متى نصل «الشارقة»، لاعتقادي أن المسافة بينهما طويلة..
وقد شعرت بالحزن لعدم متابعتي لفعاليات «أيام الشارقة المسرحية» بشكل جيد، وذلك لظروف خاصة، فكم هو جميل أن تعيش وترى تجارب المبدعين، ما بين التنظيري والواقعي والطقسي، وقد كانت بالنسبة لي أول إجازة طويلة مع الفكر والأدب والفن، تشعر فيها بالحفاوة والألفة، والتألق والوهج الإنساني المرافق للتوهج العمراني والتقني.
حوار: أنس الأموي