ينضوي فن الحفر المطبوع ضمن ضروب الفنون التشكيلية، وهو قديم وشائك، يتطلب إنجازه جهداً ووقتاً وخبرة وعدداً وأحبارا وأدوات كثيرة، من أبرز مزايا فن الحفر الحصول على أكثر من نسخة للوحة، بواسطة (كليشة) ومكبس ومادة وسيطة، قد تكون مسطحاً من الخشب، أو الحجر، أو النحاس، أو الزنك، أو اللينوليوم، أو عن طريق الشاشة الحريريّة، أو الحاسوب ... الخ.

لم يقتصر إنتاج المحفورة على ذوي الاختصاص من الفنانين التشكيليين، بل تعداه إلى الرسامين والنحاتين. وكغيره من الفنون التشكيلية، تداخلت تقاناته مع تقانات الرسم، والتصوير الزيتي، والتصوير الضوئي، والإعلان، والتلصيق.

بحيث أصبح سطح المحفورة أحياناً، ينوء تحت ثقل هذه التقانات وكثافتها! اليابان واحدة من الدول العريقة والمعروفة بهذا الفن، ولديها (بينالي) دولي دوري انطلق عام 1957 متخصص به، ولعراقة اليابان بفنون الحفر والطباعة، أطلق عليها اسم »مملكة المطبوعات«.

زار دمشق عدة معارض يابانية متخصصة بفن الحفر المطبوع، آخرها معرض »اللوحات اليابانية المطبوعة 1950 ـ 1990« الذي أقيم في المكتبة المركزية بحلب مؤخراً.

وفي صالة دار البعث للفنون الجميلة بدمشق فيما بعد، وفيه خمس وسبعون محفورة عائدة لستة وأربعين فناناً وفنانة، وهي منفذة ما بين عامي 1950 ـ 1990، ما يجعلها تعكس بأمانة، فن الحفر الياباني المعاصر، بكل ما يحوي من اتجاهات وأساليب وتقانات.

بدأ فن الحفر الياباني مسيرته الحقيقية أواسط القرن الثامن عشر، معتمداً على الطرق التقليديّة التي وصلته من هولندا، ثم مع تقنية (الأوكيواي) التي تستخدم القوالب الخشبية في الطباعة، ثم تراجعت هذه التقنية نهاية العام 1868 نتيجة رياح التجديد التي هبت على الفن العالمي، قادمة من أوروبا أولاً، ثم من الولايات المتحدة الأميركية ثانياً.

اعتبر فن الحفر المطبوع وسيلة جديدة لإعادة إنتاج اللوحة بوساطة فن ثنائي الإبداع: الأول هو رسم اللوحة فوق السطح الخشبي، أو الحجري، أو المعدني، والثاني معالجة هذا الرسم بالحفر البارز أو النافر، للحصول على (الكليشة) التي هي الوسيط لتحقيق اللوحة المتكررة التي قد يتجاوز عددها المئة أحياناً. يمكن تصنيف أعمال المعرض في خمس فئات:

ـ الفئة الأولى: يمثلها الفنانون القدماء الذين اهتموا بالرسم كمهنة لفترة طويلة.

ـ الفئة الثانية: يمثلها الفنانون الرواد، وهم في الغالب، من غير المحترفين للفن، وهؤلاء تحديداً، تمكنوا من البقاء خارج التأثير الأوروبي ـ الأميركي.

ـ الفئة الثالثة: ويمثلها الحفارون الذين اشتغلوا على تقنية (الميزوتينت Mezzotint) التي أوجدها الفنان الألماني (لودفيغ فون سييغن Ludwig von Siegen) في هولندا خلال القرن السابع عشر، وانتقلت إلى اليابان أواسط القرن الثامن عشر.

ـ الفئة الرابعة: يمثلها الفنانون المعاصرون الذين اختبروا أنواع الفن كافة، وتخطوا حدود الرسم التقليديّة، واشتغلوا على تقنية الطباعة بواسطة الشاشة الحريرية، والطباعة بواسطة الحجر (ليتوغراف).

ـ الفئة الخامسة: ويمثلها الفنانون الشباب الذين وسعوا تطبيقات فن الرسم وأدواته، مازجين بين التصوير الضوئي والتصوير البارز، وغالبية فناني هذه الفئة، جاءوا من حقول الغرافيك، والتصميم، والرسوم التوضيحيّة.

د. محمود شاهين: