( أسامينا شو تعبوا أهالينا تا لقوها وشو افتكروا فينا .. الأسامي كلام شو خص الكلام.. عنينا هن أسامينا..) أمي تحب فيروز كثيراً، لأن أغانيها هادئة، ولأنها تغني لفلسطين بصوتها الملائكي.. صوتها الملائكي..! هل للملائكة صوت؟ وهل صوتها كصوت فيروز يجعلني أشعر بغصة لذيذة في حلقي حين تغني لابنها شادي، وأفرح كأنه العيد حين تغني «ليارا الجدايلها شقر» لا أدري، ربما ؟
لا، لن أقص شعري أبداً، أمي تحب هذه الأغنية، ولقد أسمتني يارا لأنها تذكرها بجديلتها التي شلّخها الصهيوني بحربة بندقيته إذلالاً لوالدي.. مسكينة أمي كم تألمت... لماذا كل الأمهات يتألمن؟!
أبي يهرب كلما حان موعد ولادة أمي، لا أدري لماذا؟ لو كنت كبيرة يوم مولدي لمنعته من فعل ذلك، أمي تتألم ووالدي يهرب، هل صحيح أنه لا يحتمل مشاهدتها وهي تتألم؟
ربما، لكنه هروب. ولما حانت ولادتي هرب إلى البحر، كما قال لي، وحضن رمال الشاطئ الرطبة، وراح يتذكر بيتنا وميناء حيفا وسفوح جبل الكرمل وأيام الطفولة ... ونام وهو يتذكر.. و حلم بأن زبد الموج تحول إلى حرير أخضر.. حبات الماء البيضاء الصغيرة، صارت وريقات خضراء ناعمة، دقيقة، لامعة..
وراح والدي يسبح في سندسها دون أن يتبلل، وكلما سبح أكثر ازدادت كثافة الأوراق أكثر وازداد لونها قتامة.. قتامة.. إلى أن تحولت إلى عتمة مميتة تحاول خنق والدي.. والدي يقاوم والعتمة تخنقه.. والدي يقاوم والعتمة تخنقه.. إلى أن حمله موج البحر.. ومن بعيد، من سفوح الكرمل روّج بصيص ضوء وبدأت تتكشف معالم زيتونة غارقة بالرماد! أخذ والدي يتحسسها ويتفقد أغصانها، فوجد هنا وهناك حروف مكتوبة بالرصاص.. س.. ن.. ع.. و.. د.. بكى والدي فامتدت من بين الأغصان أصابع الضوء الإلهية، أغمضت عينيه ورسمت له حلم ولادتي.
أخي يقول: إن الضوء المتسلل من بين أشجار الغابات الكثيفة يسمى باللغة الروسية يارا، وباللغة الكردية يارا تعني الحبيبة، وبالفارسية تعني القوة والشجاعة... لكن خالي يعقد الأمور، فهو يعتبر أن يارا اسم آلهة الخير عند الآشوريين، ولا أدري كيف يتابع حديثه فيصل إلى بابل واليهود..
بينما والدي يقول إنه نزولاً عند رغبة أمي وافق على تسميتي بيارا، وأضاف البحر تيمناً بحلم العودة.. يارا .. يارا البحر.. أنا أحب اسمي كثيراً.. .. ياراا.. ياراا.. وكأننا ننادي راا..
جدي يقول، يا رب، كلما قام بعمل أو صعد درجاً أو حتى تحرك، قال: يا رب...
ودائماً يحدثنا كيف أصرَّ على الصلاة في المسجد الأقصى قبل خروجه من فلسطين، وكيف ترك جدتي في حيفا وحدها ووصل إلى القدس رغم ضراوة الحرب المميتة.. ويكشف عن كتفه ويرينا الندبة الرمادية ، مكان الطلقة التي أصابته حين همَّ في صعود درج المسجد.
لا أدري ما علاقة هذه القصة باسمي؟ لكني كلما سمعتها تخيلت أن جدي الذي كان يصعد درج المسجد وهو يقول يا رب، حين أصابته الطلقة قال: يا رااه.