إذا كانت كأس العالم مصدر السعادة لملايين من عشاق كرة القدم، ووقتا يستمد منه الجميع احساسا بالرفاهية والمتعة والإثارة، فإنها في نفس الوقت مصدر لتعاسة آخرين فرضت عليهم ظروف حياتهم وطبيعة أعمالهم حكما بالحرمان من مشاهدة أهم حدث كروي علي وجه الأرض.

طلبة الثانوية العامة،رجال الشرطة، موظفو الدوائر الحكومية ممن ترتبط مهامهم بتقديم خدمات جماهيرية لا يمكن تأجيلها، والأطباء و ملائكة الرحمة الذين يقضون المساء والليل في خدمة المرضى، وغيرهم كثيرون ممن يمكن وصفهم عن حق ب«مظاليم المونديال».

كيف يشاهد هؤلاء المظلومون(بحكم الوظيفة) مباريات كأس العالم؟،وما هي أساليبهم لقهر الظروف وانتزاع وقت لمتابعة المونديال .. تحقيقات «البيان الرياضي» ذهبت إلى هؤلاء وكانت هذه المحصلة من المشاهدات واللقاءات.

عمر جمعة

لعل فارق التوقيت يلعب دوره في حظوظ جماهير كأس العالم وعشاق المونديال في أرجاء المعمورة بمشاهدة المباريات في بث حي ومباشر، لكن ذلك لا ينفصل عن عوامل أخرى مثل التشفير وفرص ارتياد المقاهي والأماكن العامة المشتركة في بث المباريات فضلاً عن ظروف العمل التي تحيط بقطاع كبير من موظفي المساء والسهرة.

وعندما اقيمت بطولة كأس العالم السابقة لعام 2002 في اليابان وكوريا الجنوبية، كان فارق التوقيت عاملاً حاسماً في منطقة الشرق الأوسط، فحضور المباريات في بث حيّ ومباشر يتطلب التخلف عن العمل او الوظيفة او استدرار عطف المدير او الحصول على اجازة طارئة او التغيب المتعمد..

وبسبب التشفير كان عليك ان تأخذ مقعدك في احد المقاهي وسط مدخني الشيشة الصباحية بما يزكم الانوف ويلوث الملابس ويرفع عوامل الضغط والسكري وحمى الفرص الضائعة والأهداف والأخطاء التحكيمية واللاعبين.

في المساء والسهرة

والآن في بطولة كأس العالم الحالية، يبدو الوضع مختلفا نسبياً، فالمباريات تقام في أوقات المساء (المعقول) ومع ذلك فلا عزاء لموظفي المساء ممن يقومون بواجبات الخدمات العامة الضرورية كالجيش والشرطة والدفاع المدني وموظفي المستشفيات والبريد ورجال المرور والطلبة وغيرهم، وهناك قطاع كبير من موظفي الشركات والمؤسسات في القطاع الخاص.

لو كان الأمر يتعلق بالمحلات التجارية لوجدوا الحل في الاشتراك المشفر للمباريات، ولو كان الأمر يتعلق بالمراكز التجارية والأسواق لكانت شاشات العرض الكبيرة حلت المشكلة.. لكن الأمر يتعلق بظروف الموظفين أنفسهم.

في الإعادة إفادة

في هذا السياق.. قمنا باستطلاع آراء مجموعة من الموظفين العاملين في أوقات المساء والسهرة بحكم ظروف عملهم وهم من عشاق كرة القدم.. بعضهم يحمل (سوارة) زرقاء حباً وتشجيعاً لمنتخب فرنسا.. وآخر يحمل ثلاث سوارات على معصمه وهي بالترتيب اصفر (البرازيل).. ابيض (المانيا) وبرتقالي (هولندا).

يقول محمد زكريا المجايدة (محاسب)، سأحاول الحصول على إجازة، لأن عشقي لكرة القدم بلا حدود، ولو كان الحل في الاستقالة لربما فعلت ولكنها ليست حلاً، أحيانا أفكر بالاعتماد على مشاهدة المباريات المعادة.. لكن ذلك أشبه بتناول الطعام البارد ولكن سأجد ضالتي في الشبكة العنكبوتية (الانترنت) لمتابعة المونديال اثناء الدوام.

ويضيف: اعشق المنتخب البرازيلي، واتوقع ان يحافظ ابناء السامبا على انجازهم ويعودون باللقب واعتقد ان نصف سكان العالم يشجعون البرازيل لأن أداءهم (حلو) ولمحاتهم الفنية مثيرة ولأنهم يقدمون الأجمل والأروع في عالم كرة القدم.

هدف في قلبي

سامر احمد موظف في مكتبة .. يستمر دوامه فيها حتى منتصف الليل، يقول سامر: كل ما اسمع عن هدف في كأس العالم كأنما يدخل في قلبي فرحاً أو حزناً، سأحاول الحصول على اجازة ولو بدون راتب لأنني لا أتصور نفسي بعيداً عن المباريات، فأنا لاعب سابق وعشقي لكرة القدم هو العشق الكبير في حياتي وأتمنى ان تنصب شاشات عرض كبيرة في بعض الساحات العامة لهذه الغاية.

ويتابع: أراهن على منتخبات هولندا، ايطاليا، النمسا والسويد، وأنا أحب البرتقالي حباً كبيراً وأتعاطف معهم بعد بلوغهم النهائي مرتين عامي 74 و78 أمام أصحاب الأرض والجمهور ألمانيا والأرجنتين، وألمانيا شهدت تألق المنتخب الهولندي بالكرة الشاملة قبل 32 عاماً وأصبحت مدرسة عالمية في كرة القدم وأتمنى في المونديال الحالي ان يتجدد تألقهم.

طبيب عليل بالكرة

د. علي إسماعيل قنديل طبيب (مناوب) في المساء.. يقول: إني عليل بكرة القدم، وهي هوايتي الوحيدة، وقد لا تسمح ظروفي بمشاهدة معظم المباريات لكن هناك مباريات سوف احرص الا تفوتني مثل هولندا والأرجنتين ومباريات الأدوار النهائية.. وظروف العمل لا تسمح بمشاهدة كثير من المباريات لكني سوف أتابع في أوقات الفراغ التقارير المصاحبة ويستطرد، أشجع ايطاليا لأنني أحب هذا البلد الذي درست الطب فيه، ولكن زوجتي وهي طبيبة ايضاً تشجع اسبانيا.

الانترنت ليس حلاً

يقول محمد صالح حيدر الموظف بالشارقة إن متابعة المباريات ممكنة عبر الانترنت ولكنها ليست حلاً، فأنا أريد مشاهدة المباريات وسط حماس المشجعين في المقاهي مثلاً لأن هناك من يشجع البرازيل على سبيل المثال ولكن أنا أشجع ألمانيا، ولأن الأرض تلعب مع أصحابها فسيكون الفوز حليف الألمان سيما وان الماكينة الألمانية هي الأفضل في العالم في كافة الصناعات وبالأخص السيارات.

ويقول: كرة القدم الألمانية قوية ورجولية وقادرة على تحقيق الفوز وتسجيل الأهداف في أية لحظة من لحظات المباراة.ويخلص إلى القول: ألمانيا ستفوز بكأس العالم.. وكلينسمان مدرب قادر على صنع البطولات.

حظ جيد

يعتبر انس أحمد (ممرض) انه محظوظ لأن موعد المونديال جاء بعد ان انقضى الوقت الأطول من مناوبته الليلية في المستشفى ولم يتبق سوى 6 أيام فقط وبعدها يمكنه متابعة مباريات المونديال بسهولة.

ويضيف: كان الله في عوني خلال الأيام الستة المتبقية لاسيما لأي مباراة ستبلغها تونس او ايطاليا.. فأنا عاشق لهذين المنتخبين.ويضيف: لكن قدسية مهنتي كممرض أراقب صحة المرضى تفرض عليّ أن أتخلى عن حبي للكرة طوال وجودي في المستشفى لأن صحة المريض أولاً.

ويختتم حديثه: سأتابع المباريات عبر الهاتف النقال وان اعتبر نفسي محظوظاً لأنني سأتابع الجزء الأكبر من المونديال.أما حسام ناصر (موظف) يقول انه أقل حظاً من الممرض أنس لاسيما وان دوامه ينتهي عند منتصف الليل،

ويقول: ماذا عساي أن اعمل، فطبيعة عملي تستوجب عليّ المكوث في الدوام حتى هذا الوقت المتأخر من الليل وعزائي الوحيد متابعة النشرات الإخبارية بعد العودة الى المنزل وكذلك الصحف في اليوم التالي للمباريات.