* قضية التشفير التلفزيوني باتت من القضايا المعتادة التي تطل برأسها علينا كلما أقيمت بطولة كبرى من البطولات التي تحظى باهتمام جماهيري، وتصبح أم القضايا كل أربع سنوات عندما يحل علينا مونديال كرة القدم، وهو أمر نراه طبيعيا لما لكرة القدم من شعبية جماهيرية جارفة ولما تحظى به هذه البطولة من أهمية خاصة باعتبارها الحدث الوحيد الذي يتفق عليه العالم ويتوحد حوله حتى أنها تساهم أحيانا في تهدئة الصراعات وإيقاف الحروب.

* ولو تابعتم التقارير التي نشرناها بالأمس حول تأثير التشفير على شعوبنا العربية بشكل خاص ستدركون حجم وأهمية المشكلة لما تجده شعوبنا من متعة خاصة في متابعة المونديال حتى وإن لم تتواجد منتخباتها، وإن كنا قد لمسنا هذه المرة تدخل الحكومات بأشكال جديدة في محاولة لتخفيف حدة ووطأة المشكلة وتهيئة الظروف أمام الغالبية من عشاق هذه المجنونة لمتابعة أحداث المباريات.

* ولعل من أبرز ملاحظاتنا على هذه القضية تلك الهجمة الشرسة على قنوات «أيه آر تي» صاحبة الحق الحصري في نقل المباريات، واتهامها بأنها السبب في تفاقم المشكلة. بل وتطور الأمر في مصر إلى حد صدور فتوى من علماء الأزهر الشريف الذين وصفوا التشفير بأنه نوع من الاحتكار المحرم بما يتناقض والواقع المحيط بنا ،والذي يفرض علينا حتمية التعامل معه على أنه واقع وليس بدعة، كما يحدث في كل دول العالم المقتنعة بعدالة التشفير.

* فإذا ناقشنا الأمر بالمنطق سنجد أن القناة صاحبة الحقوق هي في واقع الأمر هيئة خاصة تقوم بتقديم خدماتها التي تميزها عن غيرها مقابل أجر يعوضها عما تتحمله من نفقات وأعباء مالية، والطبيعي أنها تحدد هذا الأجر طبقا لما تدفعه لصاحب الحق الأصلي، وقد لاحظنا مؤخرا أن هناك مغالاة دائمة في أسعار بيع حقوق النقل التلفزيوني مما فرض على مقدمي هذه الخدمات رفع المقابل بما يساعدهم على التعويض من جانب وتحقيق الربح من جانب آخر باعتباره هدفهم الرئيسي الذي لا يمكن أن ننكره عليهم.

* وحتى تكون الصورة أكثر وضوحا دعوني أتساءل لو لم يقدم راديو وتلفزيون العرب على شراء هذه الحقوق كيف كان سيتأتى لنا متابعة مباريات المونديال ؟ من المؤكد أننا كنا سنبحث عن صاحب هذا الحق لنشترك معه ونحصل على حق مشاهدة المباريات وكنا سندفع ما يطلبه دون فصال، إنه التصرف الطبيعي بعد أن أصبحت المباريات مثل أي سلعة إذا أردت مشاهدتها والاستمتاع بها فعليك شراؤها مثل أي سلعة أخرى ودفع القيمة المطلوبة سواء تم ذلك في الملعب مباشرة أو عبر وسيط وهو القناة التلفزيونية.

ــ لا تطلبوا من صاحب حقوق النقل المستحيل فهو تاجر لديه سلعة مرغوبة من الغالبية العظمى ومن حقه أن يبيعها بالسعر الذي يحقق له الربح المناسب شأنه شأن أي تاجر آخر، وما علينا إلا أن نسأله عدم المغالاة في أسعاره، وأن يكون رحيما بشعوبنا الفقيرة. كما نسأل الحكومات المساهمة في حل هذه المشكلات التي تأخذ صفة العمومية وتهم الشعوب كلها كما حدث في الجزائر وتونس وسلطنة عمان، فما هو الضرر لو أبرمت اشتراكات مثل المقاهي ونقلت المباريات عبر شاشات عملاقة في ملاعب الأندية لإمتاع شعوبها وتخفيف معاناتهم ؟!

refaat@albayan.ae