في القطار المتجه من ميونيخ إلى فرانكفورت أوقعني الحجز المسبق للكرسي أمام فتاة ألمانية كانت تقرأ في كتاب طوال الوقت، وبدافع الفضول الصحافي فقط (والله على ما أقول شهيد) سألتها: ما رأيك في مباراة ألمانيا أمس (في الافتتاح) فقالت هايكة (وهذا هو اسمها): لم أشاهدها!، وأمام دهشتي قالت: لست من عشاق كرة القدم ولا أحب متابعتها.
وسألتها: هناك الكثيرون مثلك وزوجتي من بينهم ولكن حين يتعلق الأمر بالمنتخب الوطني فان الحال يتغير لأن في الأمر انتماء للوطن وتعصبا له.
وقالت: أنا أحب بلدي وأعمل باحثة اجتماعية وأساعد الكثيرين من أبناء شعبي لكنني لا أشاهد مباريات كرة القدم لمنتخب بلادي لأنني أعتبر كرة القدم مملة!، وللعلم أنا لست من ميونخ وإنما من شتوتجارت وقد ذهبت إلى ميونخ للقاء بعض الأصدقاء ولم نتحدث عن كرة القدم أكثر من دقيقة أو دقيقتين وباقي الوقت كان مخصصا لغير كرة القدم.
وسألتها مجددا: ماهو رأيك باستضافة بلادك لكأس العالم وهل تسبب لك الصداع كونك غير مهتمة بكرة القدم؟
وقالت: ألمانيا تستضيف أحداثا عالمية بشكل دائم سواء كانت معارض فنية أو اقتصادية أو بطولات رياضية وقد أصبحنا معتادين على مثل هذه الأمور التي لم اعد أشغل نفسي بالوقوف عندها.
هذه الفتاة ليست الألمانية الوحيدة التي لا تكترث ببطولة كأس العالم فرغم حمى كأس العالم والأعلام التي تزين الشوارع والجمهور الذي لا يسير إلا وهو يرتدي قميص منتخب ألمانيا (أو غيرها) فان العديد من الألمان لا يكترثون حقا لكرة القدم حتى لو كانت بمستوى كأس العالم وهم مشغولون بحياتهم الخاصة وأعمالهم التي لا تتوقف أثناء البطولات.
ألمانيا تعيش على وقع المونديال في كل تفاصيل الحياة، وهناك عائلات تدفع الكثير من مدخراتها للذهاب مجتمعين إلى الملعب لتشجيع منتخب بلادهم وشراء قمصان الفرق والأعلام سواء من الألمان أنفسهم أو من الجاليات العديدة المقيمة في ألمانيا غير أن فيها أيضا من لا يكترث والدليل ليس في حديثي مع الفتاة الألمانية وإنما أيضا في الارتفاع الكبير في مبيعات أجهزة التلفزيونات التي تكشف عن انقسام بين أفراد الأسرة التي يريد بعض أفرادها مشاهدة المباريات وأخبار البطولة واستوديوهات التحليل المفتوحة فيما يريد الآخرون متابعة برامجهم المعتادة التي لا يريدون التفريط بها حتى من أجل كأس العالم.
وكانت إحصائيات واستفتاءات قد نشرت في الفترة التي سبقت المونديال أشارت إلى تراجع اهتمام عدد كبير من الألمان بمتابعة مباريات منتخب بلادهم في بطولة كأس العالم بسبب تراجع مستوى المنتخب في الفترة الأخيرة وتعرضه إلى خسارات عديدة أو تقديم عروض غير مقنعة ولدت الإحباط لدى عدد كبير من الجمهور، وربما ساهمت العروض الجيدة للمنتخب الألماني في عودة الاهتمام به وبالبطولة التي ستتحول إلى مصدر فخر واعتزاز لن تصمد أمامه حتى هايكة المشغولة بقراءة الكتب الاجتماعية والتثقيفية طوال الوقت، ورغم أنني لا أتخيلها وهي ترتدي قميص المنتخب الألماني وتصبغ وجهها وشعرها بالألوان الصفراء والحمراء والسوداء التي تمثل علم ألمانيا وتصرخ مثل عشرات الآلاف من المشجعات (دويتشلاند) لكنني واثق حينها أنها ستجلس مع صديقتها في ميونخ أو وحيدة في بيتها بشتوتجارت وهي تتفاعل مع منتخب بلادها وتصفق لكل هدف حتى لو لم تعرف كيفية تسجيله وقيمته الفنية والمعنوية.
كرة القدم ملح الشعوب والدول تعتمد في رفع معدل إنتاج الفرد فيها على مدى شعوره بالرضا والفخر والسعادة وهي أمور صعب أن تتحقق في الحياة اليومية التي تطحن الشعوب وبرامج الإصلاح الاقتصادي العقيمة لكن إمكانية تحقيقها تكون أكبر في ملاعب كرة القدم الزاخرة بالنجوم وهذا ما يعول عليه حتى الألمان أنفسهم وليست شعوب العالم الثالث فقط.