ركزت جميع وسائل الإعلام الألمانية هنا على الإشادة بحفل الافتتاح الذي جاء مبسطا ومختصرا حسب طلب الاتحاد الدولي لكرة القدم لكنه جاء عميقا في معانيه وفي الكثير من مفرداته التي لم يسبق أن شهدها أي حفل افتتاح آخر لبطولات كأس العالم.
ولعل أبرز الفقرات في حفل الافتتاح التي أشاد بها الألمان وباقي الضيوف التركيز على الهوية الألمانية (البافارية تحديدا لأن الافتتاح أقيم في ميونخ عاصمة ولاية بافاريا) وتكريم الفلاح الألماني الذي يزرع الأرض ويقاوم الطبيعة الصعبة والشتاء القارس،
وكذلك تكريم نجوم كأس العالم السابقين من الدول التي سبق لها أن أحرزت كأس العالم وهذا تقليد لم يقم به أحد من قبل سوى ألمانيا نفسها حين نزل إلى أرض الملعب في افتتاح كأس العالم 1974 بألمانيا كل من النجم البرازيلي بيليه وهو يحمل كأس جول ريميه التي احتفظت بها البرازيل بعد الفوز بها ثلاث مرات أعوام 1958 و1962 و1970
والنجم الألماني اوفي زيلر وهو يحمل الكأس الجديدة التي أصبحت الكأس الرسمية للبطولة حتى الآن وفي المستقبل.. وقد انتظر بيليه 32 عاما ليعود ويسير على عشب ملعب المباراة الافتتاحية لكأس العالم وفي ألمانيا أيضا.
في ملعب ارينا واثناء دخول اللاعبين الفائزين بكأس العالم منذ 1950 وحتى الآن وكان بعضهم يجلس على كرسي متحرك وآخرون جاوز عمرهم السبعين عاما نزلت الدموع من عيني سيدة عجوز كانت تجلس أمامي في الملعب وسألتها عن سبب الدموع فقالت: لا يوجد شيء أغلى على شخص عجوز من أن يتذكره الآخرون في هذا الزمن!
لقد كان منظر دخول نجوم منتخب البرازيل عامي1970 و1962 و1994 ونجوم ألمانيا ابطال كأس العالم 1974 و1990 ونجوم ايطاليا أبطال العالم 1982 ونجوم الأرجنتين أبطال كأس العالم 1978 و1986 وفرنسا أبطال 1998 عاطفياً جداً ويحمل معاني إنسانية كبيرة لهؤلاء النجوم الذين طواهم النسيان بعد أن كانوا على قمة الكرة العالمية في زمانهم وقدموا لمحات وانجازات تفوق ما يحققه نجوم اليوم الذين ينالون كل الشهرة والأضواء.
وقد استطلعت آراء بعض الحاضرين لحفل الافتتاح في الملعب الرئيس الذي تكون الفرجة فيه ممتعة للعروض البانورامية التي شكلتها المجاميع الفنية على أرض الملعب فقال غالبية الذين استطلعت آراءهم ان مشهد الراقصات المعلقات في سقف الملعب وكأنهن طائرات في الهواء كان رائعا
لكن الأروع كان مشهد دخول عمالقة الكرة السابقين أبطال الدورات السابقة لكأس العالم كان أروع الفقرات في حفل الافتتاح الجميل لكن الحضور في الملعب لم يتمكنوا من مشاهدة وجوه عمالقة الكرة السابقين وكيف أصبحت الآن بسبب بعد المسافة والتركيز على باقي فقرات الحفل.
وقال أحد الألمان: لماذا لم يحضر المغرور مارادونا؟، هل يعتبر نفسه أفضل من كل هؤلاء وأفضل من بيليه؟!، وقال آخر معقبا: ربما كان يريد احتفالا خاصا به وكأنه فريد عصره، هل نسي أننا هزمناه في عام 1990 وبقي يبكي في الملعب.. وعلق ثالث: ربما سمع ان التفتيش مركز في المطارات وانه لا يقدر على إدخال المخدرات من المطار فقرر عدم القدوم!!
أما أنا فأعتقد أن مارادونا لا يريد الالتقاء برجال الاتحاد الدولي لكرة القدم بعد مشكلة عام 2000 واختياره لنيل لقب لاعب القرن حسب استفتاء الانترنت ومنح لقب لاعب القرن لبيليه حسب اختيار الفيفا رسميا، وهو لا يريد الالتقاء بالقيصر بكنباور
لأنه رغم كل نجوميتة وموهبته الفريدة سيبدو قزما (ليس بالطول) بجوار بكنباور الذي كان ولا يزال قدوة وأصبح رمزا للشعب الألماني والإبداع الألماني في كل المجالات كشخص مثقف وكلاعب ومدرب وإداري ومخطط وهي أمور نجح مارادونا في واحد منها فقط هو مجال اللعب وأخفق في جميع الأمور الباقية!!.
ولم يكتف بكنباور بما حققه في قيادة ملف ألمانيا قبل 6 سنوات للفوز بتنظيم المونديال ولا بحشد الدعم المالي والحكومي والشعبي لتنظيم البطولة وطرح مفاهيم جديدة ولا بتشييد الملاعب الجديدة ومنها ملعب ارينا في ميونخ بدلا من الملعب الأولمبي القديم فقد أضاف لمسات إنسانية من عنده أعطت الاستضافة الألمانية بعدا جديدا يفوق كرة القدم بحد ذاتها
وأكد الشعار المرفوع لكسب الأصدقاء حين سافر إلى كل الدول المتأهلة منتخباتها للمشاركة في للبطولة ووجه لهم الدعوات كأصدقاء للألمان لزيارة ألمانيا وهو بذلك رغم كل مشاغله المهنية والحياتية سافر إلى كل القارات بما فيها استراليا التي تبعد عن ألمانيا أكثر من 22 ساعة طيران متواصل دون حساب الوقت في محطات التوقف،
وها هو اليوم يقدم نموذجا إنسانيا جديدا بدعوة عمالقة الأمس ــ عواجيز اليوم لتكريمهم في بطولة لم يكن وجودهم فيها يتعدى أن يذكر في صفحات الدورات السابقة التي باتت صفحات تكميلية للمطبوعات لا يقرأها أحد.
المانيا: سامي عبد الإمام

