استطاعت الأميرة الفنانة نوف بنت بندر بن محمد آل سعود أن ترسم إيقاع وجودها الفني، من خلال لوحاتها المشبعة بالألوان الحارة، كما هي مشبعة برؤيتها ونظرتها الفنية، حيث تأثرت بالفن الكلاسيكي والانطباعي وعبرت من خلاله عن رؤيتها ومجتمعها، وثقافتها البصرية التي تراكمت من خلال السفر والتردد الدائم على المعارض الفنية.
تجربتها هذه لم تأتِ بعد دراسة للفن إنما نتجت عن موهبة عميقة، فلم تحدها دراستها العلمية «لعلم الجينات» عن مواصلة ممارستها للفن، وعن مشاركتها في معارض أقيمت في السعودية وفي العديد من دول الخليج.
و شعورها بان الفن لم ينل الاهتمام الكافي في دول الخليج جعلها تؤسس قاعة لحظ التي تتبنى من خلالها الكثير من المواهب الفنية وتقدم الفن الجاد بعيدا عن الأهداف التجارية. شاركت الأميرة نوف في المعرض الذي نظمته في المجمع الثقافي في أبو ظبي والذي جاء بعنوان «طيف من السعودية» ومن هنا كانت بداية الحوار:
ـ اعتمدت في بعض لوحاتك على الأبيض والأسود وما بينهما من رماديات كيف تعاملت مع هذه التجربة، وما الذي تريدين إيصاله للمتلقي ؟
- أردت أن أبرز الظل والنور من خلال درجتين، بهدف إبراز فكرة معينة مثل القهوة الرمادية التي رسمتها بالدرجات الرمادية ما عدا لون القهوة ذاته، وفي لوحة الحنة استخدمت الرماديات بينما استخدمت الأحمر المائل للبني في رسم نقش الحنة.
ـ هل يعكس الفنان بيئته في أعماله التشكيلية، وكيف انعكس هذا في لوحاتك ؟
- ليس بالضرورة أن يعكس الفنان بيئته، بل يأتي هذا بحسب روح الفنان وشخصيته، حتى وإن تناول البيئة في لوحاته يتناولها بأسلوبه الذي قد يختلف عن غيره من الفنانين، وهناك فنانون يميلون إلى المواضيع الطبيعية والاجتماعية والسياسية أحيانا.أي يتبع شخصية الفنان، علما أن لوحاتي عكست البيئة والعادات الإسلامية أحيانا.
ـ تطلقين التسميات على لوحاتك عادة، برأيك هل تفسر للمشاهد ما يراه أم قد تحد أحيانا من خياله ؟
- التسميات تفسر نوعا ما، وتبرز الموضوع الرئيسي، وعادة ما أكتب نبذة عن الموضوع نفسه والمرحلة التي رسمت بها، فهناك لوحة «المرأة والطوق والإسوارة» وهي لوحة كنت قد رسمتها في أسبانيا واعتمدت فيها الخلفية الأندلسية، التي يستطيع المشاهد أن يكتشفها،و يكتشف أنها تخص أسبانيا، بالعموم التسميات تفسر المتلقي ما يراه وتساعده أن يعيش مع اللوحة والفنان.
ـ هل ترسمين بشكل يومي ؟
- قبل تأسيس القاعة لم أكن أعمل بشكل يومي ممكن كل أسبوع، أو كل شهر، وبعد أن أسست القاعة أصبح الامر أكثر جدية لأني أحاول أن أشارك بلوحاتي في كل المعارض التي ننظمها كنوع من الدعم للحركة التشكيلية وبالاخص النسائية، وعندما يرون لوحاتي يتشجعون أكثر من قبل.
ـ هناك من يصنف الأدب نسائيا أو أدب يخص الرجال، فهل تجارب المرأة تختلف مع الرجل في الفن، وهل أنت مع فكرة الفصل بينهما ؟
- أبدا لست مع هذا الرأي هناك لوحات لفنانين رجال تفيض إحساسا، فاللوحة مجردة عن الفنان سواء أكان رجلا أو امرأة.
ـ لوحاتك مرسومة بالألوان الزيتية، هل لديك تجارب أخرى مرسومة بالمائي ؟
- اشتغلت بالمائي والأكرليك، لكني أعشق العمل بالألوان الزيتية، لكني سأحاول تغيير بعض الخامات كما فعلت سابقا في لوحتي «منظر من الرياض» التي اقتناها الأمير الوليد بن طلال، وكنت قد رسمتها على قماش العباءات وهو قماش أسود يمتص اللون بسهولة، ولهذا كان علي وضع عدة طبقات من اللون والتجربة كانت مميزة، جمعت المرأة في السعودية ما بين الماضي والحاضر.
ـ متى تقرري أن اللوحة انتهت ؟
- اللوحة لا يمكن أن تنتهي، فمثلا عندما أتركها اليوم، وأعود لها بعد ثلاثة أيام أقول أنها بحاجة إلى بعض اللمسات وما إلى ذلك، فعندما تبقى اللوحة في الأستوديو قد أعود لها لكن عندما تعرض يكون القرار أنها انتهت.
ـ أحيانا لا يستطيع الفنان أن يعبر كما يريد أي تخونه أدواته كيف تستطيعين جعل تجربتك الفنية منعشة دائما ؟
- الإكثار من زيارة المعارض يعزز الرؤية الفنية، والتنوع الفني، وانصح كل ممارسي الفن أن يشاهدوا المعرض بكثرة لأن هذا يساعد كثيرا، رؤية اللوحات بكثرة يعد بمثابة تمرين للعين، وربما يعزز اتجاهات أخرى في تغيير الأساليب وتغيير الألوان.
ـ كان الفن بالنسبة لك هواية، فهل عززت هذه المقدرات الفنية ببعض القراءات والدورات ؟
- الآن أقرأ أكثر والتحق بدورات، وهذا ما يجعلني أغير من تقنياتي وأسلوبي، وأعود للقول أن الأمر كان مجرد موهبة قبل تأسيس القاعة لكن الآن مصرة أن أمتلك رصيدا فنيا.
ـ تهتمين بالتفاصيل من وحي دراستك لعلم الجينات كما ذكرت فكيف تجهزين هذه التفاصيل ؟
- اهتمامي بالتفاصيل جعلني أهتم برسم الأيدي، والتي تعتبر من أصعب ما يرسم في الإنسان حتى إنها أصعب من الوجوه، وبعض فناني البورتريه يتركون الأيدي في لوحاتهم مجرد ضربات لونية، ذلك لأن اليدين فيها الكثير من المفاصل والظل والنور، وأحاول أن أرسمها لأنها معبرة جدا، و لأنها تظهر شخصية الفنان، إنها لغة بذاتها، إذا اهتمامي بالتفاصيل تجلى بالأيدي.
ـ هل تنقلين عن الواقع مباشرة، أم من الصور أم من الذاكرة ؟
- تأتيني الأفكار كالصور والفلاشات، ولهذا تأتي لوحاتي من الذاكرة، فأنا لا أجلس لأرسم منظرا ما.
ـ ما رأيك بالحركة التشكيلية في الخليج ؟
- نحن بحاجة إلى دعم أكبر في مجال الفن التشكيلي، أسوة بالاهتمام المقدم للشعر والأدب، ومن هذا المنطلق أسست القاعة بهدف التبادل الثقافي بين الدول العربية والخليجية، بهدف الوصول إلى العالمية، ويعد هذا طموحا شخصيا.
ـ هل هناك فكرة لإقامة معارض في أوروبا شبيهة بالتي تنظميها في دول الخليج ؟
- لدي الكثير من الدعوات لإقامة العديد من المعارض في أوروبا وأميركا، لكني أحب أن أعرف العرب بالعرب، لأننا لسنا بمطلعين على تجارب بعضنا البعض وبعد فكرة الانتشار العربي تأتي مرحلة الانتقال إلى العالمية، فنحن بحاجة إلى هذا النوع من التبادل.
حوار: عبير يونس