في مصر أصيب الملايين بخيبة أمل كبيرة لاستمرار تشفير مونديال 2006 حتى النهاية وتيقنوا من عدم مشاهدة نجوم العالم إلا إذا دفعوا المقابل وهي حسبة تتجاوز القدرات المالية للبسطاء من عشاق كرة القدم.
ولم يعد أمام هؤلاء سوى ارتياد المقاهي التي أعدت نفسها لتحقيق مكاسب مادية هائلة والاستفادة من هذا التشفير، وتحسباً لمحاولات »الغلابة« من عشاق كرة القدم في التلصص على المشاهدة من خارج المقاهي، أقام معظمها سواتر وحواجز تحجب الرؤية وتمنعها عن المتلصصين، وتزيدهم حسرة وحزناً وكمداً.
وتتراوح أسعار المشاهدة داخل المقاهي حسب نوعية المقهى والمنطقة التي يقع فيها، وحددت سلسلة المقاهي العالمية أمثال سيلنترو وكوستا 35 جنيهاً حداً أدنى للدخول والاستمتاع بالمشاهدة في قاعات مكيّفة فاخرة مع مشروب، ولكن هذا الحساب للمباراة الواحدة.
أما إذا أراد الزبون استكمال الجلوس لمشاهدة مباراة تالية يُضاف إلى الفاتورة عشرة جنيهات، أي أنه في نهاية السهرة سوف يجد نفسه وقد تكبّد 60 جنيهاً بالبقشيش، مقابل متابعة ثلاث مباريات وهو مبلغ يفوق موازنة الأفراد، خاصة مع التكرار يومياً.
أما المقاهي الشعبية، فقد ضاعفت أسعارها إلى 15 جنيهاً مقابل حجز المقعد الذي قد يكون داخل المقهى الحار والمختنق بدخان الشيشة، أو يكون خارجه على الرصيف وربما في جزء من الطريق العام!!
ويحتار المواطن البائس الباحث عن وجبة العشاء المتمثلة في مباراة بالمونديال ومن المؤكد أن نسبة هائلة من عشاق الكرة يفضِّلون مشاهدة المونديال ودفع ما في جيوبهم مقابل »ساندويتش« فول وفلافل.. ولا شيء يعلو على صوت كأس العالم.
وكانت مصر قد نظمت حملة شعبية على تشفير مونديال 2006 وأخذت شكلاً غير مسبوق من الانتقاد والجدل تعاطفاً مع صيحات عشاق كرة القدم الذين وجدوا أنفسهم أمام خيار صعب وغير ممكن تكراره وهو اللجوء إلى المقاهي لمشاهدة المباريات بأسعار مغالى فيها ولا يمكن مناقشتها.
وبسبب الغضب العارم الذي يسود الفئات الشعبية محدودة الدخل لعدم تمكّنها من دفع قيمة المشاهدة التلفزيونية المرتفعة بوضوح، تدخل علماء الأزهر الشريف لإنصاف المواطن البسيط واستنكار ما يجري في شوارع القاهرة ومغالاة المقاهي في تحديد أسعار المشاهدة.
ورفض الدكتور عبدالمعطي بيومي عضو مجمع البحوث الإسلامية في تصريحات إعلامية ما يُسمى باحتكار حقوق البث ووصفها بالعمل المحرّم وأدخلها تحت بند »الحرام« وان الاحتكار بشكل عام حرام شرعاً إذا كان متعلقاً بالحاجات الأساسية للإنسان وان مونديال كرة القدم تحولت إلى حاجة مهمة لا غنى عنها لفئات واسعة في المجتمع، خاصة البسطاء غير القادرين على دفع استحقاقات المشاهدة، ولهذا فإن حجب هذه الحاجة الأساسية حرام.
وفي الوقت نفسه، يدين الدكتور بيومي ظاهرة سرقة حقوق البث والتي يمارسها بعض الأفراد وانتشرت هذه الأيام واعتبرها سرقة صريحة يتبرأ منها المسلم الحريص على دعم الثوابت الأخلاقية السليمة.
وطالب عالم الأزهر الدولة على العمل لمقاومة هذه السياسات الاحتكارية ونشر الشاشات وأدوات العرض الضخمة في الحدائق والساحات العامة لمعاونة الناس الفقراء على مشاهدة البطولة.
ويرى الدكتور أحمد عمر هاشم رئيس اللجنة الدينية بمجلس الشعب أن الاحتكار نوع من التجارة الحلال! وأن مالك حقوق البث يدير شركات ويرعى آلاف الموظفين والعاملين ويحقق أرباحاً حلالاً بشرط ألا يمعن في مضاعفة قيمة الحقوق، واستنكر ظواهر سرقة توصيلات القنوات المشفرة ووصفها بسرقة المنافع وهي عمل حرام.
وفي تصريحات مضادة أشار الشيخ فرحات المنجي من علماء الأزهر إلى أن احتكار مشاهدة المونديال عمل يندرج تحت بند المحرم شرعاً، ولكنه لم يرض عن أعمال فك تشفير المباريات عنوة وقسراً واعتبرها سرقة، فالسارق يسرق سارقاً مثله وهذا مرفوض.
ولم يقتصر رفض الشيخ المنجي على هذا الجانب، بل أدان بشدة الشاشات الضخمة التي بدأت تظهر في الميادين والساحات العامة لعرض المباريات على المواطنين، واعتبرها سرقة لا تقل خطورة عن الاحتكار، وأشار إلى رجال أعمال أثرياء يقومون بشراء بطاقات فك التشفير وعرض المباريات في الشوارع، واصفاً ذلك بالسارق من الأغنياء ليعطي الفقراء وهو من الأعمال غير المباحة والتي تقنن السرقات حسب وجهات نظر السارق.
صالح كامل: لست محتكراً
الشيخ صالح كامل رئيس مجموعة راديو وتلفزيون العرب عاد وأصدر بياناً مقتضباً حاسم اللهجة من مقر الشركة في القاهرة أكد فيه أنه مسلم يطبق تعاليم الإسلام حرفياً، وأن الإسلام يحرِّم الاحتكار وما يقوم به بخصوص حقوق البث التلفزيوني للمونديال ليس احتكاراً، بل شراء للخدمة وإعادة بيعها لمن يرغب.
نداء لمنظمات حقوق الإنسان
ومن أطرف المواقف في هذه القضية، التصريحات التي أدلى بها مسؤول رفيع في التلفزيون المصري وهو عبدالفتاح حسن رئيس قناة النيل للرياضة والتي دعا فيها منظمات حقوق الإنسان بالتدخل لدى الأمم المتحدة لمنع احتكار حقوق المشاهدة التلفزيونية لمونديال ألمانيا، والغريب أنه وصف المشاهدة المجانية بأنها من الحقوق الأساسية للإنسان مثل حرية العقيدة والفكر والعيش والعمل وغيرها من الحقوق الأساسية التي ينص عليها ميثاق الأمم المتحدة.
وتمادى المسؤول في تصريحه مطالباً كوفي أنان الأمين العام بالوقوف أمام طغيان الاتحاد الدولي لكرة القدم الذي منح حقوق الاحتكار إلى قنوات معينة في الوطن العربي، ووصف كلمة »البث الحصري« بالغباء لأنها تفرض على الإنسان أمراً يدخل ضمن دائرة الإذعان والإجبار، وقال عبدالفتاح حسن إنه يأمل في حدوث مفاجأة قبل انطلاق المونديال بدقائق، وأنه ينتظر تعليمات تزف بشرى نقل المباريات بالمجان.
اللافت أن المسؤول تلقى تأنيباً ولوماً من القيادات الإعلامية لتصريحه المتهور والذي تجاوز فيه الصلاحيات الممنوحة له!
ومن ناحية أخرى، استنكرت الجمعية المصرية لحقوق المواطن احتكار المونديال وحرمان الجماهير من متعة المشاهدة »على أساس أن كرة القدم باتت وجبة العشاء للفقراء والأغنياء« وطالبت بالوقوف بصرامة ضد هذا السلوك الاحتكاري البغيض وفق بيانها وطالبت الجماهير بمقاطعة المونديال! وبالطبع أثار هذا البيان سخرية الجميع.
