بألم يفوق حدود الصبر قرأت مصادفة رسالة الأديبة الفلسطينية «سارة رشاد»، والتي تناشد فيها عبر منظمة «كتَاب بلا حدود»، كل المسؤولين والشرفاء في العالم، إنقاذ أسرتها المجبرة على الإقامة في العراق بعد اختطاف شقيقها وقتله، وازدياد الوضع العراقي سوءاً على سوء، نتيجة تزايد وتيرة القتل الطائفي، الأمر الذي دفع الكثير من أبنائه إلى الهرب حفاظاً على أرواحهم، فيما لم تستطع وعائلتها الخروج بسبب حملهم لوثيقة سفر مصرية.
تقول «سارة» في رسالتها: «لم أكن يوماً أظن أني قد أكتب مثل هذه المناشدة أو أفكر بها، لكن عندما يسوء الوضع حولنا ونشعر أن الحياة لم تعد تكفي لسماع صراخنا، نبدأ طرق الأبواب بيأس كي لا يستمر موتنا أكثر ثم بلا نهاية.. فنحن نشعر بأننا أموات.. بلا قيمة.. بلا إنسانية.. العراقيون عندما يشعرون بالخطر يسمح لهم بالسفر بسهولة لأي دولة، أما نحن فلا يمكننا».
ولأن عائلتها مثقفة ومتعلمة، بين والدتها المدَرسة التي عملت لسنوات طويلة في تربية الأجيال، وأشقائها طلاب هندسة نظم إلكترونية وميكانيك، تناشد الشاعرة الفلسطينية، أي مسؤول، أي جهة، أي سفارة، أي شخص يمكنه مساعدتها وعائلتها القابعة تحت رماد كل ما هو آثم ومثير للاشمئزاز، في بلد تحول بحجة «ديمقراطية الدبابات وصواريخ الحرية»، إلى سجن كبير ومقبرة لحصد أرواح الأبرياء بالجملة دون تفرقة بين الأعمار والحظوظ والآمال.
استغاثة «سارة» وصلت لأنها أديبة، شاعرة، حالفها الحظ لترسل نداءها الإنساني، لكنها ومن دون أن تدري فتحت علينا جراح الصمت القاسي واللامبالاة، وأسمعتنا آهات الثكلى والحزانى على الدجلة والفرات وفي بادية السماوة والكربلاء والحديثة وبعقوبة والموصل وكل المدن والقرى التي تبكي دماً كل يوم، تشاطرها أشجار النخيل وسعفه التي ثملت من الدمع والدم ولم تعد تقوى حتى على تلاويح الوداع.
كم من الصرخات ضاعت وستضيع، وكم من الأمنيات وأدت، وكم من عيون بريئة حرمت ضوء الشمس.. آلاف الضحايا ولا أحد يسمع النداء، وإن وصل فلا أحد يتحرك، فالمصيبة أكبر، و«المعتصم» كسر رمحه ووأد سيفه، وصمَ أذنيه بعد أن لبى النداء لمرة واحدة خلدها تاريخنا البهي في «عمورية».
وبعد أن تحول شعراء اليوم إلى كتابة «التفعيلة» و«الشعر الحر»، لاهثين وراء ما بعد الحداثة والنظريات النقدية، طامعين بفتات جائزة ترمى لهم هنا وهناك، واستخف كتَاب الرواية والقصة بهمومنا اليومية، ناكصين إلى أحلامهم ومواجع طموحاتهم التي لا تنتهي، متناسين أن الأدب مرآة الروح، فما نفع القوافي والكلمات إن لم تحرك وجعاً، وتوقظ حلماً، وتهيب عزيمة، وترفع الظلم عن محروم.
مأساة «سارة» ليست فردية كما يظن البعض، بل هي مأساة كل من اكتوى بنار العراق، واستظل بنخيل وشجر العراق، وخبر كرامة ناسه، وشعره ونثره وتاريخه الطويل، والحانه الشجية التي تلامس شغاف الروح، وحسبي أخيراً أن أشير إلى ما قالته في ختام ندائها باكية: «لم أطلب يوماً من أحد نشر قصيدة أو نص لي.. لكن أرجوكم، أنا اقترب من الجنون يوماً بعد يوم..».