غادرنا الفنان والمناضل من أجل الحياة وليد قارصلي، بعد أن قدم كشفاً شاملاً لتجربته الفنية التشكيلية، في معرض فردي استعادي شهدته صالة المعارض في المركز الثقافي الروسي في الثاني من شهر أبريل الماضي وكأن بوليد يعلم بموعد الرحيل ويشعر به، فأبى إلا أن يودع أصدقاءه ومحبي فنه، بهذا الكشف المهم والمتميز، للمفاصل التي تحركت عبرها تجربته الفنية الغنية.
خلال هذا الزمن الطويل، عقد وليد هدنة مع الحياة، كان خلالها العاشق المحب الوفي، الملتزم، المنتج، المحكوم والمسكون بالأمل، والفنان، والراصد الممتاز لكل رعشة واهية في جسدها، والفنان البارع في سكب هذه الرعشة طازجة، في خط رشيق، أو لون زاه جميل، أو لحن عذب، أو كلمة ساحرة، أو مفارقة كاريكاتيرية باسمة عميقة الدلالة والتعبير.
ما مل وليد يوماً من عملية استنهاض رعشات الحياة الواهية والوسيمة والعذبة والمفعمة بالأمل، في منجزه الإبداعي المتعدد الأشكال، المتميز في الشكل والمضمون، وقوة التعبير.
ما تعب أبداً، من مطاردة الحياة، ومراودتها على نفسها، والتمكن منها، وعجنها في أشكاله وألوانه وألحانه وكلماته، وهي ترتعش ألقاً وأملاً وحباً وعذوبة وبهاء. ما يئس وليد يوماً من ممارسة هذا الفعل الجميل مع الحياة، ولا هي أشاحت عنه، أو خذلته، أو تمردت عليه، أو هربت من بين أنامله، بل ظلت لصيقة به كقطة أليفة!!
انشغل قارصلي كثيراً بموضوع دمشق القديمة التي عالجها في العديد من لوحاته، بصيغ وأساليب مختلفة، مدفوعاً بهاجس خلق وجه لدمشق وليس للعابرين بها، فهو ابن هذه المدينة وواحد من عشاقها المدنفين. في البداية توجه إلى معمارها باحثاً ومنقباً عن خواصه ومزاياه وفرادته. لكن فيما بعد، أصبحت دمشق عنده جسماً واحداً.
عضواً متماسكاً جداً، لا يختلف ولا يتبدل. ولأن غالبية الترميمات التي طاولت النسيج العمراني القديم لدمشق، كانت مرتجلة وفاشلة ومشوهة، لجأ وليد إلى ذاكرته البصرية لاستحضار الملامح الحقيقية والأصيلة، لعمارة دمشق القديمة، وتضمينها لوحته التي يطل منها المكان، وبشكل واضح ما منحها خصيصة الانتماء إلى الأرض والمناخ والتراث والحداثة في آن معاً.
ولتأكيد هذا الانتماء، لجأ إلى استلهام الماضي البعيد والقريب والحاضر، إضافة إلى جغرافية سوريا المتفردة، التي ظلت لصيقة بلوحته، وكذلك العمارة القديمة، والأساطير، والوجوه الشعبية، والطبيعة، والطبيعة الصامتة.. وغيرها. وفي نفس الوقت، اشتغل على موضوعات عالمية، منها موضوع (دون كيشوت).
الاتكاءات التاريخية والأسطورية (جلجامش) في تجربته، اعتبرها نوعاً من الاستعادة لأحداث وحكايا قديمة، بهدف ملاحظة الكيفية التي تنطبع بها على ذاكرة اليوم. وكما تنوعت موضوعات أعماله، كذلك طرائق وصيغ التعبير عنها، فقد كانت تجربته الفنية دائمة التململ والانعطاف والتجدد شكلاً ومضموناً، وهي ظاهرة سليمة وصحية وضرورية لكل تجربة فنية، تطمح لأن تبقى وتستمر وتؤثر، لكن رغم هذا التململ، ظل هناك ما يشير إليه، في منجزه الإبداعي عموماً.
دمشق ـ محمود شاهين: