تخرجت في كلية الإعلام والعلاقات العامة بجامعة أم درمان السودانية، حاصلة على دبلوم ترجمة لغة انجليزية من جامعة السودان، عضو اتحاد الأدباء والكتاب السودانيين، حصلت على الجائزة الثانية في مهرجان الإبداع النسوي للشعر العامي، صدر لها ديوان شعر «أغنيات بطعم مختلف» بالفصحى، ولها تحت الطبع ديوان بالعامية بعنوان «الجرح المنوسر».
تكتب الشعر بنوعيه؛ متأثرة بوالدتها الشاعرة، لكنها برعت في كتابة الرباعيات، ولكونها من أسرة لها علاقة بالشعر؛ يمكن القول إن الموهبة والوراثة توفرتا لشاعرة شابة، تنطلق من وادي النيل.
تمكنت سعادة عبد الرحمن من المزج بين الشعر الشعبي والفصيح ببراعة، وكفاءة؛ حول ذلك تقول: في اعتقادي أن الكتابة بالدارجة العامية السودانية؛ تأتي في مرحلة لاحقة؛ بعد إجادة، لقد مررت بمدرسة كتابة الشعر التقليدي؛ وهو الأمر الذي عادة ما يجعل الشاعر يتخبط في بداية كتاباته الشعرية ما بين الدارجة واللغة العربية الفصحى، أعتقد بان كل شاعر في بقاع الأرض؛ يبدأ هكذا.
حيث يكون بين اللغة العربية، وبين اللغة التي يجب أن يبقي عليها، وقد تعلمنا أن ما تتطلبه الكتابة بالعامية أو الدارجة السودانية؛ هو إجادة النظم الشعري إيقاعا وضروبا لكل بحور الشعر العربي؛ لأن الوجدان السوداني، وجدان سليم إيقاعياً ، وهذا ليس تحيّزاً، وهكذا تدرجت. ولقد باتت كتاباتي بالفعل بين الدارجة والعربية.
كنت أنظّم القصيدة فتكون مزيجاً بين الاثنين، ومع الاستمرار اتضحت ملامح أسلوبي، فتوقفت فترة طويلة مع كتابة الشعر العربي العمودي الفصيح، ولا أستطيع القول إنني الآن وصلت فيه، أو قطعت فيه شوطا كبيرا، أو أني تمكنت من الكتابة بالعربية فأنا ما زلت أبحث.
وتضيف الشاعرة السودانية أن المدرسة التقليدية، أو العامية السودانية أكسبتني عضوية اتحاد الأدباء والكتاب السودانيين، قبل بلوغي سن العشرين، حيث لم يكن يسمح لي بإلقاء الشعر، وكنت أجلس بين كبار شعراء السودان، وأتتلمذ على أيديهم، فكنت أشاهد هذا، وأرى وألاحظ كيف يجب أن يكون الشعر، فحرصت على أن أكتب الشعر الخاص بي، وكنت أخشى أن أعرض شعري على الأساتذة، لولا المصادفة التي كشفت أني أكتب شعراً عامياً، وفوجئت بشهادة الأساتذة، أما الدرب الذي دفعوني فيه، فهو كتابة (المربعات) كما نسميها في السودان، وتعرف بالرباعيات في الوطن العربي.
وهو درب آخر، والولوج فيه صعب، ويحتاج إلى فطرة سليمة، والى مخزون لغوي كبير، وإلى مقارنات كثيرة، وهذا لا يكتسب إلا بعد الخوض في كل الدروب السابقة، والتمتع (بالحكمة) ولابد من توفر ما يسمى بـ (السهل الممتنع) وصعب أن تتوفر كل منها في شاعر واحد. وعن تمكنها من شعر المربعات تقول سعادة:شعر المربعات تميز به الرعاة في البادية السودانية حيث الراعي يقول الشعر الرباعي الموقع بفطرته، وهو ما يدرس حاليا، ونحن ندرسه أكاديميا بينما هم قالوه على السليقة من قبل.
وإذا ما كانت كتابتها بالفصحى هي محاولة لتعويض الانتشار الذي قد تحده الكتابة بالدارجة تؤكد قائلة: نعم، حقيقة منذ بداياتي الشعرية، كان هدفي وشاغلي هو العالمية، واللغة العربية هي المفتاح لولوج هذا العالم، ولم يقتصر حلمي على الإقليمية أو المحلية، وأطمح أن أصل هذه المناطق، وإلى أكثر من ذلك، أحلم بأن «أترجم» كما هو حلم الفنان. وأعتقد أني وصلت بالعامية إلى مرحلة متقدمة جدا في السودان، لكن بالعربية الفصحى، ليس كذلك، فأنا أطمح أن أصل بها منابر أخرى.
وتستطرد قائلة: الغريب أني كنت أحرص على قراءة الشعر باللغة العربية الفصحى بشكل كبير جداً، لكني بعد ذلك وجدت، الوجدان السوداني يتقبل العامية أكثر، على الرغم من أني أكتب الشعر الغنائي، وشعر الضروب.. شعر اللغة العربية الفصحى، لكن المحلية تتطلب أن أكون شاعرة بالعامية أو الشعبية.
وفي داخلي يتنازع الشكلان، وأنا أصر أن أسير فيهما معا، لكن اللغة العربية لها الأفضلية بلا ريب، لذلك أصدرت ديواني الأول بعنوان (أغنيات بطعم مختلف) بالعربية الفصحى لأفرض شعري الفصيح، على المتلقي الذي يعرفني بالدارجة والمحلية، على أن أقدم ديوان العامية بعد ذلك.
وتصف سعادة عبد الرحمن أسلوبية اختيار مفردات القصيدة وشكل الكتابة لديها بالقول: إن نمط الكتابة التي انتهجها هي المربعات، وهو نوع يتطلب مفردات محددة نابعة من مخزون معين يحتاجه هذا النمط، وذلك ليعكس ثقافة معينة، لكني لا أتعمد الاختيار، ولا تأتي القصيدة بقرار وهو ما أسميته (السهل الممتنع)، أما بالنسبة للمتلقي السوداني، فيكفي ان يتلقى كلمتين لا يفهمهما، ثم كلمة واحدة يفهمها، ليصل إلى المعنى كاملاً من السياق.
وهذا أمر مشجع، وحين أقول ( الجرح المنوُسِر ما تَطِبّه الكيّة ) قد لا يفهم المنوسر، لكنه يفهم الكية بالتأكيد، وبالتالي يعرف أنه الجرح الملتهب. ولن يقف عند المفردة تحديدا، لكنه يأخذ بالمعنى، وما يصله وما يحسه، ونعتقد أن الشعر الذي لا يهز المرء عند سماعه، فليس جديراً أن يقال له شعراً.
وتضيف أنا لا أقصد نوع الكتابة في الأساس لكن عندما تلبسني حالة الشعر.. وشعر المربعات تحديداً، تأتي المفردات، أو تنهمر من تلقاء نفسها، وحين أجلس لكتابة القصيدة لا أعرف إن كانت بالعامية أو بالفصحى أو البدوية؛ فإذا اتجهت إلى اللغة العربية لها مفرداتها، وإن اتجهت إلى العامية السودانية لها مفرداتها، وإذا اتجهت إلى البدوية فلها أيضا مفرداتها وحول ما إذا كان اجتهادها في العامية البدوية هو محاولة لتكوين قاموس شعبي خاص بها لحفظ وتوثيق الكلمات المحلية من الضياع تقول سعادة:
أحاول التشرب بهذا القاموس وهو المخزون الذي أعلم أني أحتاجه في صناعة الشعر، ولعله فعلا بهدف التوثيق؛ فبعض المفردات لا يعرفنها بنات جيلي وإن نجحت في خلق الدهشة، والسؤال حول معنى مفردة فهذا في حد ذاته يعني هدفا يدفع المتلقي إلى البحث والمعرفة، وأنا لا أدّعي شرف التوثيق للعامية أو اللهجة البدوية؛ لكنه جهد المقل؛ فلعله يساهم.
وعن رسالتها في الشعر تقول: أقصد برسالتي أولا الفرد السوداني البسيط، وأجتهد في أن تصله دائما، ومن بعده الأمة العربية بأسرها، وما أنا إلا صوت واحد من جملة أصوات؛ وقد يضيع صوتي بين صدى الأصوات الأخرى التي تنادي للأمة العربية؛ لكن هذا لا يمنعني من المشاركة؛ إلا أن هدفي الأول هو المواطن السوداني البسيط، وأطمح أن تدخل قصيدتي كل بيت، وأن تخاطب كل الأعمار، وكل الثقافات؛ لأني أعتقد بأن هذا مهم جدا وأن أخدم بشعري قضية في شريحة معينة من المجتمع، تلك التي علينا واجب تنميتها وتوعيتها.
وعما تعنيه لها المشاركة في المهرجانات الشعرية تقول: إنها درجة يصعب المحافظة عليها، ويصعب التخلي أو التنازل عنها، والرجوع منها كذلك؛ كما هو صعب الوصول إليها، وهي مسؤولية تتطلب الكثير من الاجتهاد: ولكوني امرأة؛ فإنها فرصة لإسماع صوت المرأة، في عكس الثقافة السودانية.
وعلى الصعيد الشخصي فإنها تفتح لي نوافذ مع العالم الآخر، وأتعرف على شعراء آخرين، وأصحاب تجارب مختلفة، ونقل تجارب بعضنا البعض على مستوى الوطن العربي، وهذا هو الانفتاح، وهي خطوة نحو هذا الطريق، علما أني بين كل خطوة وأخرى أتثاقل، والحقيقة أن الرهبة في دخول هذه الحلبة مازالت تشملني.
أما أغراض الشعر، فأميل إلى الشعر الاجتماعي؛ لكني أيضا أكتب الشعر العاطفي، ومنه ما يمكن أن يصنف بصوت امرأة حاد جدا، وهذا ما جمعته في ديوان (أغنيات بطعم مختلف) وأنا بصدد إصدار الديوان المقبل بالدارجة السودانية بعنوان (الجرح المنوسر) .
وعن إمكانية بروز تجربة شعرية جديدة في عصر توغل ثقافة الآخر تقول سعادة: لدينا من المنابر المفتوحة والمنتديات؛ التي تقدم لنا جرعات، كما أن هناك جامعات تتطوع لعمل دورات مجانية لتعليم الشباب اللغة العربية وعلم العروض؛ إلى جانب تطوع بعض الناس، وهذه واحدة من مكاسب اختيار الخرطوم عاصمة الثقافة العربية.
وإن لم نكن بدأنا قبل هذا التاريخ؛ فإننا بدأنا بها بداية قوية جدا، وهي لفتة جميلة على المستوى المحلي والعالمي؛ لإبراز ثقافات المناطق في هذا البلد، وهي فرصة دأبنا فيها على الاختيار الجيد من ثقافتنا المحلية وتقديمه.
كما حرصنا على تقديم الجزء الأفريقي من ثقافتنا وهو الإبراز الحقيقي لوجه الثقافة السودانية المغيب، ونحن بكل شجاعة عرضنا الجانبين في ثقافتنا، بكل ما تتضمنه؛ في حين كان المفروض عرض الثقافة العربية فقط؛ لكننا قدمنا جرعات من الجانبين. وتصف سمات الشجن التي ترصع قصائدها قائلة:
يعرف الإنسان السوداني بامتلاكه الحنين، ونصفه بالـ (حنيّن) وهو معبأ دائما بالشجن، ونحن في لحظات الفرح نبكي، ويغمرنا الشجن، وفي سلامنا معبئين بهذا الشجن، إنه إحساس عال من الوجد؛ ليست سمة للشاعر؛ بل هي صفة كل سوداني؛ أما في الشعر فإن الشاعر (يعمل من الحبة قبة) كما يقال؛ لأنه يميل إلى المبالغات.
وهو أمر متاح للشاعر، وتعترف: على الرغم من أن لي تجربتي؛ واستطيع أن أقول إنها السبب في ما يبدو من شجن على شعري، وأكاد أجزم أن ثمانين في المائة من شعري هو تجربة خاصة، وان لم يكن قصة بعينها؛ إنما هي وليدة واقع وتراكمات عدد من الحوادث، والمشاهد والمواقف؛ اختزنها فتولد في قصيدة، ومن هنا يبدو الانطباع حيث الصدق فيها لمس الشجن عندي؛ فكان هذا الناتج.
حوار: فاطمة محمد الهديدي