في أزمنة الحداثة.. أزمنة العنف والحرق والعذابات، وسط أكوام الرماد وبالقرب من هودج الليل الذي يغلف وجه بلاد الرافدين...لابد من شمس هناك، تهبط من رحم السماء لتعيد إلى النخل الجميل شموخه وللبلاد الحزينة..ضوء البلاد.. وسط تلك الصراعات الهائلة وتهاتف الحزن فوق مسلات الطين فثمة صراع خفي يعيشه الشاعر العراقي، متمرداً أو محافظاً في الداخل أو في الشتات لتسديد فاتورة الشعر من أجل الوطن.

فالشاعر العراقي يحمل تاريخاً مليئاً بالدم، إنه إنسان تتشابك شراينه في شعاب الخيال الكوني في مواجهة هذا الموت العام الذي يجعل نشاطه منذ جلجامش بحثاً عن مثوى للقصيدة وورقة للتاريخ يتجلى على صفحتها معنى مجيئه إلى العالم مستقلاً في الرؤية والرؤيا بصوته الخاص الجديد. وبفضل تلك التعددية المثابرة في الطموح الشعري، عاد للشعرية العربية أفق ستيني مضيء يتميز بالجرأة على المبادرة الذاتية في الخلق واكتشاف الآخر الضالع في التجديد.

مغامرة في فخاخ العقل الغامضة والمسالك الوعرة بين الماضي والحاضر والمستقبل، حيث توجد خطوط غير ثابتة وأكف مقطوعة وعذاب تجريدي ورحلة غير مؤكدة على حد قول الشاعر الستيني فاضل العزواي الذي يقول في شهادته حول الشعر..أنني أعتبر الحرية جوهر كل شعر يكتب في زمننا، ليس فقط عبر اعتبار الحرية مادة القصيدة وانما أيضاً شكلها ولغتها، كنقيض للعبودية المفروضة على العقل والمخيلة، والتي تنجم عن تواطؤ الواقع مع الوهم،

فإذا ما عدنا إلى تاريخ الشعر نفسه فسوف نجد أن الأطر والأشكال والمضامين وحتى اللغة كانت تتغير من زمن إلى آخر، مما يلغي فكرة الشكل المقدس التي يدافع عنها بعض الشعراء والنقاد حتى اليوم، والأكثر من ذلك إذا ما أردنا أن نعي حركة التاريخ نفسه، تلك الحركة التي أوصلتنا إلى حضارة زمننا، فسوف نكتشف أن كفاح البشرية كان في جوهره دائماً كفاحاً ضد الأغلال والأوهام التي التصقت بالثقافات خلال سيرها، كفاحاً استهدف أساساً تحرير الفكر والعاطفة من سطوة الأكذوبة وإعادة الاعتبار إلى الحرية، كمصدر لكل إبداع في التاريخ وهذا يفرض على الشاعر مستوى استثنائياً في فهم الحرية بكل تجلياتها السياسية والفكرية، والاجتماعية والثقافية،

ولأن عمل الشاعر نفسه هو انبثاق في الحرية فأنه سوف يكون معادياً في الضرورة لكل الابتذالات والقيم العبودية التي تلتصق بالحياة، الشاعر الحقيقي لا يحطم الأصنام وحدها وإنما ينسف المعبد كله، وهنا لابد أن نوغل أبعد في الغابة، أننا ضد الشعراء الذين يرون في الحرية وسيلة لإخفاء الركة في قصائدهم، تارة باسم لغة تعتمد القطيعة مع مع قارئها، متشكلة من تركيبات لغوية وذهنية مجردة، هي أيضاً قالب جاهز مثل كل القوالب الأخرى، وتارة بمجانية الأفكار التي تُقذف داخل القصيدة، حتى لكأن الشاعر لا يعرف موضوعه ولا وحدة القصيدة، الحرية بوصلة الشاعر،

ولكن دون أي امتيازات أخرى بحيث ترتبط الحرية بخبرة الشاعر وعمق ثقافته وموهبته وحدة بصره وبصيرته وفي الطرف الآخر فان الشعراء الذين يبقون أسرى غايات محنطة أو يفسحون عواطفهم، مالئين قصائدهم بالدموع سوف يزيدون العالم بؤساً مع كل قصيدة..،

ففي ضفة الحرية وحدها يبدأ المستوى الحقيقي لكتابة القصيدة المستوى الذي يمكن أن نفرق فيه بين قيمة قصيدة وأخرى، بين العمق والضحالة، بين الضوء الذي يأتينا من القصيدة والعتمة التي تغرقنا فيها، وها هنا يمكن الحديث عن المدى الأبعد التي تخرقه القصيدة، وطاقة الحرية التي تفجرها في أرواحنا، حيث يمتد عالم الشاعر عابراً بنا إلى قلب مدينته السحرية، مفاجئاً إيانا بأسراره وألغازه.. فالشاعر الحقيقي لا يكتب قصائده لكي يعيد الطمأنينة إلى القلوب، وانما ليقلقها، لينسف أوهامها لأنه وحده يستطيع أن يحررها من الأمل الخادع ويقذف بها إلى الحرية..

ومن قلب هذه الحرية تخل المخيلة فتجعلها تنفجر، لتتدفق عاطفة جديدة تختزن عمقاً معرفياً بإشكالات الإنسان الوجودية وأعماقه السحرية وطواطمه الكاذبة بالتاريخ والحياة عبر مخيلة الشعر التي تعيد ترتيب كل شيء، صوراً تمتلك ألواناً أخرى لا تمكن رؤيتها من خارج القصيدة، وفي هذه الأكوان المنبثقة من المخيلة تكتسب اللغة علاقات جديدة وتمتزج الفكاهة بالمأساة واللعب بالوظيفة والحلم بالواقع والملموس بالفكري والمعنى باللامعنى كنفي للقصائد الجادة العبوس التي تعكس يقينية كاذبة أو عواطف مضجرة..

يكتب الشاعر قصيدته، لا لكي ينقذ البشرية من جحيمها، وانما ليقول حقيقة الحياة نفسها.

يقول الشاعر فاضل العزاوي في قصيدته (أنا الصرخة، أية حنجرة تعرفني)

ماذا أفعل يا جيلي؟

وأنا أسمع أجيالاً تهبط في جرح الوردة

أشباحاً تسبح في دجلة مثل طيورٍ من ذهبٍ

ثم تغني وتموت

لأن العشاق يموتون وحيدين من الحزن

إذا لم يجدوا وطناً يأوون إليه كما يأوي الغرباء إلى أوطان الغرباء

ماذا أفعل يا جيلي؟

وانا مثلك محموماً، احلم في امرأة تجلس بين الموت وبيني في معتقلٍ، إذ نشتاق إلى الأنثى أكثر مما نشتاق إلى وطن يقهرنا في أجمل أيام العمر

إذ الحرية سكين في القلب، شعار نرفعه في السر

ونشربه مخلوطاً بالقهوة في ركنٍ من غرفة سجن منسي

اما الشاعر الستيني سركون بولص فيقول في شهادته الشعرية قد تكون المهمة المركزية للشعر في زماننا هي أن يقدم الأدلة التي تذكرنا مرة بعد أخرى بما هناك، بما له وجود حقيقي العالم بما يصدمنا أو يوقظنا وما هو بالفرز والملاحظة بين آلاف الوقائع الأخرى التي ليست جديرة سوى بالنسيان.

فكل شاعر يريد أن يجبل الخليقة التي تبقى بالنسبة إليه طرية أبداً في حالتها الصلصالية الأولى، الطينة ذاتها دائماً، لكن اليد مختلفة دائماً في كل مرة وهو لذلك في قتال دائم مع رغبته الخفية في الاستسلام لموج الحياة اليومية وضروراتها التي تغلف القريحة الشعرية بأكفان العادة والتكرار وتفرض عليها إيقاعها البليد، ليحتفظ بتلك المسافة المهمة بين الصرير الباعث عن الخدر للآلة الاجتماعية التي لا تكف عن الدوران حول نفسها وبين صوته الداخلي الذي يتطلب الشحذ الدائم لئلا يصدأ..

وهذا الصوت هو الذي يتيح له أن يفتح ثغرة في جسد العالم ليطل منها على معناه، وبهذا الفعل تتخذ الروح كينونة قادرة على الحرية والخلق من جديد وهي لحظة الأصالة عندما يستدير الشاعر بكامل وجوده إلى لحظة الكتابة بعقل البدايات الأخرى حراً من جميع الدوافع ما عدا رغبته في أن يقول ما يريد كما ينبغي أن يقال..

يقول الشاعر سركون بولص في قصيدته (النهر):

العابر فوق المعبر

يعرف أن القادم جاء

الريح لا تؤسر في الشبكة

وأنا

لم آخذ الفرس النبيلة

بل انتهيت

إلى هذه الغرفة في طرف المدينة

حيث أُصغي إلى النهر عندما يجري تحت نافذتي

وأسمع كيف يختلس الزمان خُطاه

وفي ضوء تجربته الشعرية يقول الشاعر سامي مهدي..أن الشعر عندي مزيج من الرؤية والرؤيا، الذاكرة والحلم، وكتابة القصيدة دفقات متواصلة من الوعي واللاوعي، فالحداثة عندي ليست مفهومات جاهزة أستقيها من هنا وهناك، بل هي حداثة روح، وحداثة نظر، وحداثة تجربة، إنها أفق مفتوح لا تحده مفهومات قطعية ثابتة ولا أفكار أحادية الجانب ولا صراعات مؤقتة عابرة إنها تجربة حية تعاش، محورها سؤال داخلي مقلق يضع الشاعر أمام ذلك الأفق،

وما على الشاعر إلا أن يختار دليله فالشعر أفق فسيح لا تحده المذاهب الفنية والنظريات الجمالية والمناهج النقدية، ولشعر كل لغة بل لشعر كل أمة خصائص معينة، بعض هذه الخصائص بعض هذه الخصائص يعود على اللغة وقوانينها الخاصة وبعضها الآخر يعود إلى خصائص الأمة وتاريخها وتراثها الروحي والمادي،

فالثورات الشعرية تبدأ بسؤال داخلي لأن الثورات حتى الشعرية منها تتكون في أرضها وبيئتها فهي لا تصدر ولا تستورد بحيث تكون العلاقة بالشعر العالمي ونظرياته ومفهوماته الجمالية ومناهجه النقدية يجب أن تكون علاقة حوار وجدل لا علاقة تقليد واستنساخ، فالقطع بصواب نظرية ما وخطأ غيرها، ليس سوى مراهقة فكرية قادت الكثيرين إلى السقوط في فخ التقليد، وحولت حداثتهم إلى نمطية جديدة...

وللشاعر فوزي كريم شهادته الشعرية التي يقول فيها.. لقد ولدت أنا ابن المشرق العربي، في مدينة من طين ولم تزحمني حين كبرت الثقافات الإنسانية، فلقد وجدت بينها وبين الأزقة الضيقة وأسرار الأبواب القديمة ما بين الغابة والطائر، إذ منحتني حرية البصيرة وحرارة المكتشف

إن هذا المشرق العربي مادة خام وان ظلال رفات السطوح والشرفات الخشبية المزججة، وصدأ مرصعان النحاس وأسرار الليل في المواطن غير المأهولة وأسرار النهار في هذه الأركان المأهولة والحواس وما تنطوي عليه من ضجيج، وهذا الحوار الدائب الذي لا يخمد بين الإنسان والطبيعة الأشياء جميعاً، يشكل معنى الوحدة التي يحتاجها الفن...

وهذا كفيل مع خبرة الثقافات الإنسانية أن يحرر مارداً، لينطلق حول هذه القباب والمآذن، وعلى امتداد هذا الجفاف المصوت عبر الأنهر المهجورة ساحباً ذيله الأسود الداكن بين الأزقة نصف المعتمة ماسحاً عتبات بيوتها ومخلفاً كما على الأفق دخان خياله المجنح في مخيلتي ومخيلة كتابنا في هذا الوطن الكبير، كل ما يطمح إليه كاتب ذو ضمير، وتفننت في إنكار طليعية الفن التي شممت فيها رائحة حضارة تكنولوجية، وبحاسة الحرص على الدم الحالم، رحت أتمرغ بصنوف عذاب الاجتهاد على الكتابة المحافظة ولكن الجوهرية الكتابة المشرقية.

يقول الشاعر فوزي كريم في قصيدته (وطن الأسرار)

كان الشارع مدهوناً بمياه الفرح، وبالدهشة والحب

والشارع كان عجيباً، بالدمع الساقط من حبات القلب

ورأينا الشارع كالعذراء، رأيناه بريئاً

ولأن دخان السنة الأخرى يتسرب من شباك الحلم بطيئاً

كنا نتأهب للسحر المخبوء وراء الساعة

وصرير عقاربها

كنا كالطير المثقل بالأفراح

كالطير المخبول، يشق طريقاً بين جناح وجناح

.. لكني وحدي

كنت أرى وجه الثعبان

يتلصص بين وريقات الكتب الملقاة بخوف

فوق رصيف الأحزان

إذن كان على الشاعر الستيني أن يكتب بلغة جديدة وروح تحمل في نكهتها تقاويم الطين والفرح والعذابات، روح تجمع في تضاريسها، تراب الحلم والذاكرة، الوعي واللاوعي، وأن القصيدة النموذجية عندهم نسيج متكامل تبدأ من نقطة برق ثم تتقدم في البناء حتى تقضي إلى استعارة قابلة لتأويلات متعددة لإنتاج قصيدة تمس الواقع بالحلم، الحياة وأسرارها، الكون ومفاتيحه الساحرة لقد حاول الشعراء في حقبة الستينيات أن يقولوا كلمتهم وقد نجحوا في ذلك من خلال روحهم الواثبة وثقافتهم الرصينة وأحلامهم الدافئة التي سرعان ما دفعتهم إلى البحث عن أشكال أخرى للكتابة مليئة بالغموض والغرابة والأمل...

لهذه الشهادات والتجارب الشعرية التي تناولتها من كتاب انفرادات في الشعر العراقي الجديد للشاعر العراقي عبد القادر الجنابي أرجو أن تكون كفيلة بتقديم إضاءة ما على بعض التجارب الإنسانية المبدعة في الشعر العراقي الحديث... ولربما يأتي الفجر... ففي ضحكة طفل لم تكتمل... أراك يا وطني مكتملا...

قاسم سعودي