أمسية جديدة من أماسي الشعر الأصيل استضافها «نادي الشعر» باتحاد كتَاب وأدباء الإمارات، ووقع فيها الشاعر العراقي «يحيى البطاط» مجموعته الشعرية الجديدة «دلال الوردة»، الصادرة حديثاً عن دار الأزمة بعمان، وألقى فيها عدداً من قصائده بدأها «بالورقة الأولى» قائلاً:
ـ كان يمكن أن يسقط الفم في الهذيان لولا حكمة الصمت، وكان يمكن أن تستعير الروح ما تستر به عريها لولا أن السماوات تخلت عن زرقتها للصوص، وكان يمكن للوردة أن تهمس بعذاباتها لولا أن مقصلة الأصابع سبقتني إليه.
وقال في قصيدة بعنوان «السيَاب»:
ـ بربطة عنق، وأكمام طويلة، وحذاء أغبر، مسرعاً.. مسرعاً.. وبالتفافة خفيفة، ترك ظلالاً زرقاء، سخاماً.. مطراً، مطراً، ومضى إلى الله.
وفي قصيدة «معرفة»:
ـ تعلَم كيف يحصي ميتاته، ويزين نعوشه، ويشكر مشيَعيه، لكنه لم يتعلم أبداَ، كيف يغلق عينيه قبل أن يموت.
في حين فضَل أن يبوح في قصيدة «طوفان»:
ـ نوح، يا نوح، أخذت نساءنا، وأشجارنا، وأبقارنا، لماذا، تركت الأرامل يرتقن الفجر، بخيط أسود من الدموع.
وختم بقصيدة «تحليق» قائلاً:
ـ مع كل هذا الحزن يصبح الليل ترفاً، ومع كل هذه الدموع، يفكر البحر في سيرته المالحة، أما أنا فسأضع نظاراتي فوق عيني لأراقب تحليقك البهي.
إلى جانب الأمسية وحفل التوقيع.. قدم الناقد السوري «أحمد حسين حميدان» ورقة نقدية بعنوان «النص الآخر الغائب»، أشار فيها إلى أنه رغم الركض والجريان الذي يمارسه نهر الكلام العربي منذ ما قبل عكاظه الشعري، بقي في أحشاء رمله وجوف عتمته نصاً آخراً عطشاً إلى سقيا الاكتشاف بعد ابتعاد الحروف عن مدار كلماته وانكفاء الألوان عن تشكيل صوره المجهولة والمأخوذة بالغياب.
مؤكداً على أنه وإذا كانت الحركة قد دبت في أوصال مكنون هذا النهر وفي ماء أفعاله الناقصة وذلك إبان ازدهار الدولة الإسلامية، فإن الوهن والسكون تمكنا لاحقاً من إزاحة هذه الأفعال عن نصوصها إلى الغفوة والغيبوبة، الأمر الذي تسبب في دفع نص الحركة نحو الغياب مرة جديدة.
كما تسبب في دفع نص الكلام إلى ذات المصير والمآل، إلا أن ما ناله نص الفعل، كان فيه الحصة الكبرى من هذه العطالة التي ما زالت مسيطرة عليه حتى اللحظة ومن دون انتهاء، وهو ما يدفع إلى التساؤل عن أسباب تمادي هذه العطالة كل هذا الزمن، في هذا الزمن القائم أساساً على القول المعرفي وعلى الفعل المنجز ملامحه انجازاً محسوساً.
كما يدفع إلى التساؤل، إن كان سكن الغياب للمفاصل الحركية في هذا النص يشبه سكن الغياب لمفاصل ذلك النص الآخر الذي تنام الكلمات على ملامحها المجهولة ورغم كل ما تثيره يقظتها في عقل وصدر القارئ عند كل اكتشاف جديد من صور ذاتها اللامتناهية، يبقى منجزها ماثلاً عند حدود بياض الورق.
انس الأموي: