مر المسرح العربي في القرنين الماضيين بمراحل عديدة، وخلال هذه المسيرة وبعيداً عن التطورات الأكاديمية، حدثت أحداث تبدو الآن من الطرائف والحكايات المسلية، لكنها في وقتها كانت انزلاقات وتحديات لمفاهيم عديدة استطاع المسرح أن يتجاوزها من خلال صراع طويل مع عدة جهات وعلى عدة مستويات، لكننا الآن حينما نستذكرها نجد فيها النكتة والطرافة، والسخرية من تلك العقول التي ما زالت تجد في التمثيل والمسرح خروجاً عن العرف والتقاليد على أقل تقدير.
من هذه الحكايات التي يذكرها لنا تاريخ المسرح العربي، أن فرقة النقاش مثلت على مسرح في دمشق رواية «أبو الحسن المغفل» ويظهر فيها هارون الرشيد وقوراً وعادلاً ويحكم بين الناس بما أمر الله به ورسوله، ومع ذلك ثارت الزوابع، ورفع بعض الشيوخ المتزمتين دينياً عريضة إلى الحكومة العثمانية يحتجون فيها على ظهور هارون الرشيد وأعتبروا ذلك خروجاً على الدين، فأمر السلطان العثماني بمنع التمثيل في دمشق.
وفي حكاية ثانية.. وفي الشام أيضاً أن مشهداً مسرحياً جمع ما بين رجل وامرأة على خشبة المسرح فثار المشايخ المتزمتون أيضاً، وذهبوا إلى الأستانة وكان السلطان عبد الحميد يؤدي صلاة الجمعة، وبعد الصلاة، وقف أحدهم صارخاً، باكياً، شاكياً، مندداً بالبدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار، وهذه البدعة تهدد الإسلام والمسلمين وقال كما تذكر كتب تاريخ المسرح: «أدركنا يا أمير المؤمنين فإن الفجور قد تفشى في الشام، فانتهكت الأعراض، وديست الفضيلة، ووئد الشرف، واختلطت النساء بالرجال».
وهكذا بادر السلطان عبد الحميد وأصدر فرماناً بمنع التمثيل «بتاتاً» في كل الأقطار العثمانية. وفي حكاية طريفة أخرى، يقال إن الخديوي إسماعيل حاكم مصر كان يحب المسرح والفن، وهو الذي بنى دار الأوبرا المصرية، لكنه لم يسمح لفرقة مصرية بالعرض على مسرح الأوبرا، وأمام ضغوطات بعض المقربين له من المصريين وافق على عرض مسرحية بعنوان «الظلوم» لفرقة يوسف خياط، وقد أعلن أنه سيحضر بنفسه لافتتاح المسرحية، في الأوبرا يوم الأحد 9 فبراير عام 1879،
وجاء الخديوي إسماعيل في موعده ومعه الأمراء وقادة الجيش والباشوات والبيكوات وكبار رجال الدولة، لكن من سوء حظ يوسف خياط وفرقته أن المسرحية كانت تدور حول حاكم ظالم يظلم شعبه، وهنا اعتبر الخديوي أنه هو المقصود بهذا الحاكم، وأن الفرقة تقصده بالذات، فاستاء وغضب، وأصدر فرماناً يقضي بطرد يوسف خياط من مصر، وعدم السماح للفرق المصرية بتقديم عروضها على مسرح الأوبرا، والحكايات كثيرة، وكل واحدة فيها طرفة وسخرية،
لعلنا هنا لا بد أن نذكر ما كان قد حدث للفنان يعقوب صنوع، فهذا الرجل أقام أول مسرح مصري عام 1870، وكان يكتب ويخرج ويمثل المسرحية، وهو أول من أدخل العنصر النسائي على المسرح وسط ضجة كبيرة وحرب شعواء، لكن شهرته اتسعت بعد أن قدم خلال عامين «اثنين وثلاثين مسرحية» من تأليفه وإخراجه وتمثيله، وبلغ الخديوي إسماعيل ما حققه صنوع، وهو الذي يهوى التمثيل كما كان يدّعي، ونزولاً عند رغبة بعض نسائه في القصر، دعا الخديوي إسماعيل يعقوب صنوع إلى قصره لتقديم أعماله المسرحية.
وفي اليوم الأول والثاني قدم صنوع مسرحيتين «آنسة على الموضة» و«غندور مصر» وهما من نوع الكوميديا الساخرة، فسرّ الخديوي، ومنح صنوع لقب موليير مصر، لكن الليلة الثالثة، كانت بؤساً على صنوع وفرقته، فقد قدم أمام الخديوي مسرحيته المشهورة «الضرتان» وكانت تنتقد ظاهرة تعدد الزوجات، وهنا ثار الخديوي وغضب على يعقوب صنوع الذي منحه بالأمس لقب موليير مصر. وحلت بعد ذلك لعنة الخديوي على صنوع، فأمر بإغلاق مسرحه، ونفيه من مصر إلى باريس، والحكايات كثيرة، رحم الله أولئك الرواد الذين شقوا الطريق لنا، بعرقهم وتعبهم ومعاناتهم وتضحياتهم.