«منامات» الاسم النكرة ذو الدلالة على توجه سردي ينهض على التخييل للحظة مسروقة من وقت مستقطع، تكون فيه الذات حرة وطليقة من أسر الزمان والمكان والبشر الطيبين والأشرار؛ لحظة ذاتية وخصوصية جداً.
ولكنها في الوقت نفسه تعبير عن رغبة أو رغبات تسعى للتحرر من ضرورات الوعي الخاضع لاشتراطات جمعية تستوجب على الدوام التقنع بقناع محدد، وهكذا فإنه ليس عن عبث انشغل علم النفس كثيراً في هذا الجانب الغامض من حياة الإنسان الحديث عموماً.
وعلى نحو خاص ذات الكاتبة الإبداعية التي تستيقظ في وضح النهار لتصوغ أحلامها على النحو الذي تراه ملائما للتعبير عن رؤيتها الفكرية، أو للكشف عن بعض جوانب ذاتها القلقة والمتضررة من جراء أزمة عدم الفهم ما بين الذكورة والأنوثة كنتيجة مباشرة لسيطرة التقاليد وهيمنة الذكورة.
ومن هنا فإن العنوان قد لا يشي بأزمة عدم الفهم هذه، بينما صورة الغلاف، وهي لوحة للفنانة المكسيكية فريدا كاهلو سوف تشير رمزيا إليها كعتبة أولى، لتأتي الأحلام فيما بعد لتؤكد بقوة تبعية المرأة للرجل كرمز لسلطة اجتماعية وثقافية غير منظورة.
ولكنها ملتمسة من خلال سلوك الشخصيات النسائية المتعددة في الرواية، بما في ذلك الشخصية المحورية والساردة بضمير المتكلم، والتي يمكن اعتبارها نموذجاً معبراً عن محدودية مساحة الحرية التي مازالت المرأة المثقفة تعيش فيها، فحياتها بتعبيرها أشبه بالمربعات المتجاورة التي ليس من السهل تحطيم أضلاعها والانفتاح على بعضها في الحد الأدنى.
وربما الحال كذلك بالنسبة للرجل الذي وجد نفسه أسير هذه المربعات التي صنعها بعناية، ثم باتت وبالا عليه، ومثاله الشاب المثقف الذي وجد نفسه محكوما سلفا بتقاليد العائلة بالزواج من ابنة عمه بالرغم من حبه لزميلته في العمل ورغبته في العيش معها، وبالتالي فإنه سوف ينسحب منكسراً تاركاً الحبيبة تعيش حالة من الحزن والألم والسخط العارم عليه.
ينهض السرد من خلال رواية ممثلة داخل الحكي كشخصية محورية تروي حكايتها بضمير المتكلم، سواء عبر المنامات أو من خلال حياتها اليومية داخل المنزل، وبذلك فإن السرد سيأخذ بعدين: أحدهما واقعي، والآخر خيالي بلاغي يتناص مع كثير من النصوص الشعرية والصوفية.
وعلى هذا النحو فإن الأخبار عن «الأنا الساردة» أو عن شخصية الساردة، سيتم في الغالب عن طريقها هي، نظراً لهيمنتها على محاور الحكاية وتهميش شخصياتها إلا في حدود ضيقة، فلم تتمكن هذه الشخصيات من إخبارنا شيئا عن صورة الساردة، الا ما جاء عفوا على لسان: أختها «مي» و «العمة» و «أمها» وإن دل هذا التعتيم على شيء، فإنما يدل على رغبة الساردة في عدم إكمال صورتها أو هويتها حتى نهاية الرواية، تاركة الأمر لقارئها الفطن للوصول إلى صورة محددة.
وهي تقنية ذكية في كل الأحوال، لأن القراء سيختلفون حتما في تكوين صورة نموذجية لها، وخصوصا من الناحية النفسية، إذ إنها وبالقياس إلى أختها «مي» التي تم إخبارنا عن الطريق الذي اختارته بكل وضوح وشفافية، ستبقى شخصية شبه غامضة تستتر وراء لغتها ومجازاتها.
وبالرغم من أن حكاية الرواية جاءت موجزة وشريطها السردي لا يتجاوز بضع صفحات، إلا أن الكاتبة تمكنت من تأليف رواية تقع في مئة ونيف، مما يؤكد أنها وظفت طرائق سردية عدة لحكايتها، ومن ذلك تقنية المنام أو الأحلام التي دفعت بحكايتها نحو وجهات فنية وجمالية شتى، إذ إن كل منام من هذه المنامات التي فرغتها الكاتبة من شريط ذاكرتها، يتألف من: ومضات حكائية + مشاهد وصفية + مشاهد بصرية مؤفلمة يمكن اعتبارها بمثابة إضافة جمالية.
حيث برعت الكاتبة في تحريرها، ومثال ذلك مطاردتها لشبح أبيها داخل برج عال، حيث إنها صاغت هذه المطاردة على نحو سيريالي جميل تعززت الصورة فيه بصوت صفير الرياح وبعض الأصوات الغامضة الأخرى، ثم مطر هائل تشكل من دموعها فتكاثف وسال على السلالم كسيل هادر، ومن جانب آخر هناك وميض الدشداشة المنطلقة إلى الأعالي.
أما من حيث الفكرة ومعالجتها، فسرعان ما سيتضح للقارئ البنية التراجيدية القارة في أعماق حكايتها، وهي تكمن في فقدان الأب إثر مرض عضال أصابه، وبذلك فإن هذه الحادثة ستكون بمثابة إطار مرجعي أولي، تعمل الساردة ـ الشخصية على الانطلاق والعودة إليه، وما بين ذهابها وإيابها، ستقوم بفتح أطر حكائية جديدة تضيء جوانب إضافية من حياتها.
مما يمنح القارئ إمكانية تتبع مسار الأحداث من خلال علامات أو محفزات محددة تقصدتها كحيلة تقنية لبناء النص، وذلك لتمكينها من إدخال شخصيات جديدة، وتطوير الأحداث بما يخدم مقاصدها، أو المغزى المراد إيصاله، ومن هذه العلامات النموذج التالي: «في المنام رأيتني أخلع قميصاً بيتياً لأعطيه خطيبته معتذرة لها عن طول الاستعارة، وانخلعت عن جحيمي بمعجزة».
وإذا ما تمعّنا في هذه الجملة الإخبارية القائمة أساساً على التحفيز اللغوي، سندرك جانباً من معاناة الساردة، واضطرارها إلى التنازل عن الحبيب، دون أن تكشف عن سبب هذا الاستسلام غير المعهود بطبع المرأة عادة، بدليل أنها عبّرت عن فرحتها بالخلاص من جحيم كانت تعيشه.
ومع ذلك سنلحظ أن شخصية الحبيب ستبدأ بالتموضع كإطار حكائيّ مرجعي إلى جانب الإطار السابع، ستذهب الساردة إليه لتكشف عن جانب من ماضيها الجميل وأسباب انكسارها بعدما خيّب الحبيب أملها في متابعة مشوار الحب. وإبّان عملية المواجهة سوف يتابع القارئ جملة من القضايا المؤرقة للمرأة ستسعى الشخصية الساردة للكشف عنها،.
ولكنها من جانب آخر لن تحاول ولا للحظة واحدة التماس مبرر لانكسار الحبيب أمام قسوة التقاليد، إذ كانت على الدوام تراوح ما بين نوعين من الأحلام يذهب أحدهما نحو ذكريات الحب السعيدة، بينما الآخر سيسعى لإدارة الحبيب الذي تخلى عن الحب لدوافع انتهازية ذكورية واضحة.
ومن الملاحظ على علاقة الحب التي سردتها الشخصية المحورية، كانت تمْت قبل سنوات من روايتها، وهذا يعني أنها، بالضرورة، لم تكن موضوعية في حكاية القصة وفي تأويل سلوكيات الحبيب نظراً لأنها كانت طرفاً متضرراً من جهة، ولحاجتها الملحة إلى بطل منقذ بعدما توفي والدها وعاشت في البيت مع زوج أمّها واضطراب حياة الأسرة المكونة من أمها وأختها ميّ. حيث ستنشغل أمها بزوجها الجديد، بينما تغادر أختها إلى ا لجامعة للدراسة.
وستبقى وحيدة في مواجهة الذكورة محتارة وشبه ضائعة، بينما أختها مي ستسعى لتحطيم أحد أضلاع المربّع الرمزي، والتحرر من أسر المربعات الأخرى بالإعلان الصريح عن أنها إنسانة حرة.
وقد اختارت طريقها الذي تريد عن قناعة ولا تخاف من المواجهة، بينما الساردة ستعيش أحزانها، وليس ثمة من يقف إلى جانبها في هذه الأزمة التي عصفت بها، فكان أن أصيبت باكتئاب نفسي حاد كادأن يودي بها لولا العمّة التي سعت إلى إنقاذها بعدما أدركت علْتها.
المفارقة اللطيفة في هذه الرواية تكمن في اهتمام الكاتبة بالمكان كحيّز جغرافي يحتوي الشخوص وكثيراً من الأشياء المرتبطة بهم وبحياتهم، وقارئ الرواية سيلتمس كثيراً من التفاصيل الأليفة والحميمة التي احتفت الساردة بها منذ لحظة انتقالها إلى بيت عمتها المبني في الجبل.
ومن ثم موضعت هذا البيت كإطار حكائي جديد يحفّز مخيلة القارئ لتتبع شؤون وشجون المرأة العُمانية داخل المنزل، وفي علاقتها بالجوار الجغرافي من بشر وطبيعة وكائنات أخرى، ثمّ تتبع أثر هذا المكان في الشخصية من حيث الألفة أو العداء.
ومن هنا فإن بيت العمّة سيكون بمثابة مرتكز دلالي تتفاعل معه الساردة إلى أقصى الحدود، نظراً لأنه يتصل بفضاء طبيعي منفتح على: جبل وبحر وسماء وماء وخضرة لا متناهية، وستترك هذه الطبيعة الأليفة آثارها الإيجابية في نفسية الفتاة المضطربة.
ومن جانب ثان فإن ناسه الطيبين سيساهمون بدورهم في زعزعة هذا الاضطراب ومن ثم اجتثاثه من جذوره، لتدرك الساردة فيما بعد أنها تفتقد مثل هذا العالم الجميل المليء بالحب والمودات، بينما على العكس من ذلك سيكون منزل أمها الخاضع لتقاليد زائفة.
حيث إن جارات أمها لا يزرنها إلا قليلاً، وبمواعيد مسبقة وولائم عريضة، وأحاديث غارقة في التذمّر من مسؤوليات الأولاد وغباء الخياطين ومصففات الشعر. وإلى ذلك فإنها ستنتصر للبساطة والطبيعة ضد الأمكنة المعادية مجازياً: منزل الأم، والمؤسسة التي يعمل بها الحبيب السابق، بل والحبيب ذاته.
منامات، جوخة الحارثي، المؤسسة العربية للدراسات والنشر بيروت.
عزت عمر