إن الحديث عن الأمانة الصحافية بطريقة ميكانيكية، أو مجردة من كل المؤثرات الخاصة والعامة، يضع الصحافي دائماً في قفص الاتهام، ويقزمه إلى درجة تجعل منه أداة طيعة في أيدي القائمين على مؤسسته من جهة، وضعيفاً ذليلاً أمام لقمة العيش من جهة ثانية.. فالأمانة الصحافية لا تقتصر على نقل الصحافي لكل ما يقال بشكل حرفي مبالغ فيه.
ولا تقتصر على نقل ما شاهد وما سمع بشكل آلي رتيب ... بل ما ينطبق على الترجمة يمكنه أن ينطبق على تناول الصحافي لمادته من حيث العلاقة بين الأمانة والإبداع، والتعامل مع روح وجوهر الأشياء، لا سطوحها وقشورها الساذجة، أو من حيث التعامل مع وحدة الشكل والمضمون بحركتيهما الجدلية دائمة التجدد ..
إن الأمانة الصحافية هي بكل بساطة الانسجام بين الذات والموضوع بمصداقية مطلقة بعيداً عن رضا فلان وزعل علان... فهل ينطبق ذلك على عمل الصحافيين، حتى لو ابتعدنا عن صفة الإطلاق في المصداقية ؟
إن النسبية في المصداقية تنطبق فقط على أحد أشكال الأمانة المتبعة كثيراً في بعض المؤسسات الصحافية، وهو الصمت، أما باقي الأشكال فهي متباينة في الخيانة الصحافية تبعاً لحجم الكذب على الذات وعلى الآخرين... ففي تغطية الفعاليات الثقافية مثلا، تحتم الجرائد على الصحافي أن يكتب عن الفعالية خبراً دون أن يذكر رأيه.
وبذلك شكل من أشكال الأمانة، ويا للعجب، كيف لصحافي حضر أمسية لشاعر لا تمت قصائده للشعر بصلة، فليس فيها وزن ولا قافية ولا موسيقى داخلية ولا خارجية ولا ألفاظ جزلة ولا إدهاش ولا رؤية، ولا هم يحزنون،ومطلوب من الصحافي ألا يبدي رأيه، فأي مقياس للمصداقية الصحافية ينطبق على هذه الحالة ؟
إنّ جوهر الخبر هو أن الشاعر الفلاني لم يقدم شعراً، وللأسباب التالية ، وإنّ الجمهور كان عدده مع الشاعر والمقدم والإعلاميين لا يتجاوز أصابع الاتهام، وإنّ وإنّ.
وإن كانت المصيبة أن يلزموا الصحافي بالصمت، أو ألا يسمحوا له بإبداء رأيه، أو أن يسمحوا له بكتابة رأيه كما يريدون ووقت يريدون، فالمصيبة الأعظم هي أن يفرضوا عليه أن يقول رأياً، ليس منافياً للأمانة الصحافية وحسب، بل ضد قناعاته ومبادئه.
والطامة الكبرى هي الطلب منه إشراك الآخرين بهذا الرأي، أو بتلك الكذبة، كأن يكلف صحافي مثلا، باستطلاع عن معرض تشكيلي، وهذا المعرض لا يرتقي إلى أدنى مستويات الفن، ولا يمت للإبداع بصلة... الخ ، وعلى الصحافي أن يخرج بآراء ايجابية عن هذا المعرض، فما الذي يحدث ؟
بعيداً عن تقاسم الصحافي لخيانة الأمانة الصحافية مع مؤسسته، وتخفيف الوزر عنه، ألا يتحمل تبعات نقل الحالة المرضية «بالعدوى» إلى غيره ؟
المفاجأة أنه يجد دائما مرضى يتمتعون بالمناعة والحصانة، وجاهزين للتطبيل والتزمير، ويمتلكون الشهادات والأدوات والعبارات، بدءا من الحداثة وما بعدها من غموض، مرورا بالمفاهيمية التي بدون مفهوم، وصولا إلى الرؤيوية، وانتهاءً بمصطلحات خاصة تصلح لكل زمان ومكان.
ومنهم نقاد فنيون، وفنانون تشكيليون، ومدرسون في المعاهد والكليات، فعن أي مصداقية سنتحدث، وبأي كيفية سنحاسب الصحافي إذا كانت مؤسسته تأمره بذلك، وفي أي خلل سنبحث، وإلى من نوجه أصابع الاتهام ؟
لا يسعنا إلا أن نقول: ما أشدنا حاجة لمؤسسات المجتمع المدني بعيدا عن الحالات المشوهة لثقافة المهنة في بعض المؤسسات العربية، وبعيداً عن سلطة الصحافة كشريك في السلطة.