معروف أن كل من يحلم بالحرية يكره كلمة (الرقيب)، يتساوى في ذلك الفوضويون والملتزمون.لأن الرقيب في أفضل صوره يمثل صيغة مذعورة لسلطة أكثر ذعرا.

ومع ذلك كنا نقول انه مجرد موظف اختارته الأقدار بملقط صدئ ليكون السجين والسجان لقفص عقلي وهبه كل ضلوعه لتشييد قضبانه. لكن عندما تتحول المهنة إلى سوس ينخر في جيناته يصبح الحديث عنه مليئا بالشفقة والسخرية.

فالرقيب العربي غالبا ما يستمرئ فراغ الذات والبعد الواحد لأنه يفتقد للبدائل، كما أن الأمر اقل كلفة لاسترضاء أسياده الذين لا يتورعون عن إدخاله في موسوعة غرائب المضحكات في جلساتهم الخاصة كلما أمعن في ابتكار الخطوط الحمراء، وابرز قدرته العجيبة على اجتراح الارتعاب من المعاني وخلق ظلال لها من الأوهام.

ولان الرقيب في نهاية الأمر (معرض) لتذكر إنسانيته واحتمال التململ من دوره، فان صانعه سرعان ما يمنحه حق استخدام قلم يختلف حبره عن باقي أحبار الكتاب والأدباء كي يعيش حالة من الاستيلاء الوجودي لكائن يستشعر ضعضعته كلما ارتفعت سقوف التعبير، لأنها تدفعه رويداً رويداً ليتبوأ صورة متحفية يشار إليها كأعجوبة هزلية تنبض بالحياة وتمشي على قدمين.

وكثرة انغماس الرقيب في مهمته حتى ذقنه وتماهيه تماما مع كل مناسيب الذعر تحيله إلى حالة متشظية من (الفوبيا) تجعله يتجرع نظرية المؤامرة حتى الثمالة والتجشؤ لمجرد وجود كلمة بين قوسين، أو تذييل جملة بعلامة تعجب، أو وجود تعابير لغوية تتجرأ على قاموسه المحدود، مثل حادثة الرقيب الثقافي الذي ارتج وارتجف وبسمل وحوقل بسبب عبارة (آيات الجسد ) دون أن يكلف نفسه أدنى مجهود للاطلاع على تخريجات المعاني لكلمة (آيات).

ولمزيد من الضحك: احد رقباء التحرير في جريدة عربية لجأ إلى مسطرة ليقيس مدى بعد المسافة بين خبر تضمن كلمة (حذاء) وآخر في نفس الصفحة ذكر فيه اسم أحد المسؤولين الكبار. وفي كتاب (المكتوبجي) وردت حكاية الرقيب الذي شطب من احد الإعلانات الترويجية كلمة (جمهور) لأنها تضمر، حسب ذكائه الفذ، دعوة إلى الجمهورية والانقلاب على النظام الملكي آنذاك.

مشكلة الرقيب انه يختزل صيرورة الكتابة وتجلياتها المتنوعة إلى دائرة لا تزيد على حدقة عينيه، ولا تبعد قيد أنملة عن افقه المنبطح.. ف(جدانوف) بصاص ستالين الثقافي حين قال عند مصادرته ديوان الشاعر فوزنيسكي:

(يجب على الشاعر أن يطبع نسختين، واحدة له وأخرى للمرأة التي كتب فيها أشعاره)، لم يكن يصدر فرمانا لخنق الشعر في عالم المرأة، بل كان يعتقد اعتقادا مكينا أن الشعر ممهور دائما بعالم النساء.

إن المسافة بين المسموح والممنوع بها من الرحابة والشساعة ما يسمح للرقيب أن يتقافز فيها كما يريد، ويعتبرها عالمه الأثير الذي يتمرغ فيه مبتهجا بإثارته الأغبرة والأتربة، دون أن يدرك أن المصير الحتمي لمسوغات وظيفته (سيكون) المشي على أربع.

majdy@albayan.ae