ينتمي الفنان الكويتي فؤاد الشطي إلى جيل أحب المسرح فكرس له سنوات عمره التي أثمرت أعمالاً فنية ستبقى في ذاكرة الجمهور الذي تابعه ممثلاُ ومخرجاً في العديد من المسرحيات التي نال عنها جوائز محلية وعربية، دون أن ينسى للحظة زملاءه وأصدقاءه، كالفنان الراحل خالد النفيسي صديقه الدائم ورفيق دربه، وصاحب الروح المرحة والنكتة الظريفة، لذلك كانت بداية الحوار، رحلة ذكريات لا تنسى يرويها بكثير من الألفة والحنين حيث يقول:
ـ في فرقة «المسرح العربي» التي أسسها الراحل الكبير زكي طليمات، التقيت خالد النفيسي مع مجموعة من الأصدقاء: عبد الحسين عبد الرضا، سعد الفرج، غانم الصالح، والمرحومان جوهر سالم وكنعان حمد وغيرهم، تشاركنا في العديد من المسرحيات والأعمال الدرامية التلفزيونية والإذاعية، إلى جانب عشرات الأعمال التي أخرجتها التي شرفني بالعمل فيها كممثل.
وكإنسان سيبقى في ذاكرتنا ووجداننا لما كان يتسم به من ظرف ودعابة، وأتذكر أيام كنا نلتقي به في السنوات العشرين الأخيرة أثناء إقامته في المغرب أو لبنان، فكان يحتفي بنا احتفاءَ كبيراً عودنا علينا، لذلك لا يسعني القول إلا أننا فقدنا جزءاً من ذاكرتنا الفنية والإنسانية، لكن قضاء الله وقدره على كل الأحوال.
ويتابع الفنان الكويتي المعروف:
أتذكر جيداً المقالب التي كان يفاجيء بها زملاءه وأصدقاءه، فقد كنا في إحدى المرات في استديو مع المخرج المصري الراحل حمدي فريد، نصور مسلسلاً تلفزيونياً، فاستأذن المخرج للذهاب لإحضار ابنه من المدرسة.
وفي طريق عودته كان يقود السيارة بسرعة فتبعته الشرطة، فأراد الهروب، فدخل التلفزيون ومنه إلى الاستديو، لكن عندما سأل خالد النفيسي المخرج فريد وهو يركض عن السبب أخبره بذلك، فأخذه وخبأه خلف احد ديكورات التصوير.
وهرع للشرطة وأخبرهم عن مكان وجوده.. طبعاً انفجرنا بالضحك جميعاً على هذا الموقف، خاصة بعد أن تدخل فيما بعد وأنهى الإشكال، وكانت هذه مداعبة من مداعباته التي لا تنسى.
* من جهة أخرى، ومن خلال إدارتك لفرقة المسرح العربي منذ عام 1978، وحتى الآن، بماذا تفسر تراجع المسرح الكويتي في هذه الفترة؟
ـ رغم أنني أؤكد لك جازماً بأننا في الكويت نمتلك صناعة مسرحية، إلا أن الحركة المسرحية الكويتية أسوة ببقية الحركات في العالم العربي هي جزء من واقع حال الأمة العربية التي تتقهقر وتتراجع إلى الوراء في كافة المجالات.
وهي بالتأكيد انعكاس للواقع السياسي العربي، ونحن لا ننكر أن المسرح النوعي في الكويت يعاني من مشكلات نتيجة لهذا الواقع، في الوقت الذي يزدهر فيه مسرح القطاع الخاص الأعلى دخلاً.
ولو تحدثنا عن مشكلات المسرح النوعي في الكويت، لوجدنا أن قلة الدعم المادي هي أساس المشكلة، في ظل ثبات الدعم السنوي الذي تتلقاه الفرق المسرحية منذ 1976 حتى يومنا هذا.
ولك أن تتخيل أن هذه المعونة السنوية لا تمكن الفرق العريقة من القيام بالمسؤوليات الأخلاقية تجاه أعضائها، أو مقراتها التي هي جزء من الذاكرة المسرحية الكويتية، مع عجزها عن الإنتاج نتيجة للمبالغة في أجور الممثلين التي أصبحت أجورا خيالية، في ظل النشاط الفني المحموم تلفزيونياً وإذاعياً.
كذلك انحسار الدعم المعنوي، المتمثل ببث الإعلانات عن المسرحيات مجاناً عبر الإذاعة والتلفزيون، بحيث كانت العروض النوعية تأخذ حقها من الترويج الإعلامي والدعاية.
في الوقت الذي كانت فيه وزارة الإعلام تقدم كافة مستلزمات العرض المسرحي من ديكورات وإكسسوارات وغيرها، مع مواكبة الصحافة الفنية ووجود نقد مسرحي حقيقي يواكب هذه العروض، على عكس هذه الأيام التي انعدم فيها النقد الفني في صحفنا ومجلاتنا إلا فيما ندر، هذا دون أن ننسى قلة دور العرض المسرحي وتهالكها، لأننا ببساطة مازلنا نعيش على إرث أواخر الخمسينات وأوائل الستينات.
ونتكيء على دور العرض الحديثة التي ستبنى، لذلك «ما زلنا محكومين بالأمل»، كما قال الراحل الكبير سعد الله ونوس، وسنظل نعيش على هذا الأمل حتى يصار إلى استنهاض المسرح الكويتي من عثرته.
* وهل يعاني المسرح الإماراتي من نفس المشاكل التي يعانيها المسرح الكويتي؟
ـ علينا أن نقر ونعترف وبفضل وجود استمرارية «أيام الشارقة المسرحية»، ودعم صاحب السمو الشيخ الدكتور سلطان بن محمد القاسمي عضو المجلس الأعلى حاكم الشارقة لأبنائه الفنانين في دولة الإمارات، إلى جانب وجود مهرجان الفجيرة الدولي للميلودراما، فإن الحركة المسرحية الإماراتية تطورت في السنوات العشر الأخيرة.
ولعلها هي الأنشط على المستوى الخليجي، وهي الأكثر غزارة في رفد الحركة المسرحية الخليجية بعدد مهم من كتاب المسرح ومخرجيه، ناهيك عن الممثلين والتقنيين ،ولعل حالة الممثلات الإماراتيات دليل على ذلك.
* من أي ناحية تقصد؟
ـ من خلال معايشتي لتلك الفترة، أقول إن المسرح في الإمارات كان يعاني في فترة السبعينات والثمانينات من القرن الماضي، من قلة وندرة العنصر النسائي، في حين تعج الساحة الفنية في الإمارات اليوم بالوجوه النسائية.
ومن المفارقات أن تستعين معظم الجهات الإنتاجية في الكويت بفنانات اماراتيات، وقد لاحظ الجميع خلال أعمال الدورة الأخيرة لأيام الشارقة المسرحية، غيابهن الملحوظ لا لشيء إلا نتيجة لانشغالهن بالأعمال التلفزيونية هنا وهناك.
ولو عدنا إلى المسرح أقول، إن كل ما يحتاجه المسرح الإماراتي هو الجمهور لأنه العنصر الغائب للأسف، وأنا هنا لا أتحدث عن جمهور المهرجانات، وإنما عن استمرارية العروض على مدار العام، وذلك لإيجاد حركة مسرحية حقيقية.
* وهل تتوقع أن اعتماد «أيام الشارقة المسرحية» من قبل «الهيئة العالمية للمسرح»، سيؤدي إلى تنشيط الحركة المسرحية المحلية؟
ـ ما أتمناه حقيقة.. هو إنشاء مراكز أخرى في بقية الإمارات، في دبي وأبو ظبي وأم القيوين وعجمان ورأس الخيمة وغيرها من المراكز إلى جانب مركزي الشارقة والفجيرة بعد اعتمادهما كعضوين كاملين لوجود مهرجان مسرحي في كل منهما.
ولأن الهيئة العالمية للمسرح تضم نحو مئة دولة، فهي حلقة وصل بين المسرحيين في العالم، من خلال تبادل المطبوعات والكتب والأخبار ومعرفة ما يدور من مستجدات على خشبة المسرح، إلى جانب الاطلاع على الورش المسرحية التي تقام هنا وهناك، كما أن هذه الهيئة تتبع «لليونسكو» مما يعطي المظلة الشرعية للحركات المسرحية الموجودة تحت إطارها.
وبالمحصلة هي نافذة للإطلالة على الآخر وتبادل الحوار والتثاقف المتبادل، إلى جانب كونها لعبت دوراً مهماً أثناء الحرب الباردة، وقد ولدت في أحضان هذه الحرب الباردة، بعد تأسيسها وسعيها لتوحيد الغرب مع الشرق من خلال خشبة المسرح، ويكفي أنها جعلت للفنان المسرحي يوماً عالمياً للاحتفاء به.
* وقد ذكرت اليوم العالمي للمسرح، ما تعليقك على الكلمة التي سيلقيها حاكم الشارقة العام المقبل بهذه المناسبة؟
ـ حقيقة تنتابني مشاعر فرح وسعادة وغبطة، أن يصار إلى تتويج المسرح العربي بهذا الشكل، بعد أن كتب الراحل الكبير الصديق سعد الله ونوس رحمه الله، كلمة المسرح العالمي كأول عربي، ومن بعد تعمدنا اختيار صوت نسائي عربي فكانت الكاتبة فتحية العسَال، والسنة القادمة ستكون كلمة يوم المسرح العالمي، لرجل دولة، محب وعاشق، مهموم بالمسرح.
ومؤلف لعدد من العروض المسرحية، حتى يرى العالم أن لدينا حكاما على درجة عالية من الثقافة والفكر، ومهمومين بالثقافة فعلاً لا قولاً، وليأتينا صوت من الجزيرة العربية كي يدوي في كافة أرجاء المعمورة بإذنه تعالى العام المقبل، وهذا تقديرنا من المكتب التنفيذي للهيئة العالمية للمسرح لدور سموه في دعم الهيئة والأنشطة المسرحية.
حوار: أنس الأموي