يمضي العمر حزيناً متدثراً بالذكريات ونحن نعَد أيامنا السابقات وقد مضت، بعدد أحلامنا التي لم نحقق منها إلا الجزء اليسير اليسير، لنصل في النهاية إلى حقيقة واحدة لا مفر منها، وهي أننا عاجزون حتى عن مجرد التفكير بكثير من الأسئلة والهواجس التي تعصف بأرواحنا الثكلى، ونحن نطالع كل يوم ما تجود به القرائح والأهواء من تجديف صلف وتحد صارخ لكل ما رهيف في حياتنا.

نسمع ونقف ونعالج عجزنا بالصمت حيناً وباليأس أحياناً كثيرة، فهل نحن حقاً أموات في حضرة «لغة» مازالت في رعيان صباها وعنفوان شبابها ونضارتها، أم أننا لم نعد نستطيع مجاراة بلاغتها وبيانها البديع، متذرعين دائماً بحجج العصر الذي يسخر من تبريراتنا اللامنطقية.

دعوات من هنا وهناك، ونفوس ضعيفة تنتظر اللحظة الحاسمة لتعلن وقاحتها، في وقت ترقد فيها «جمعيات الدفاع عن اللغة العربية» في غيبوبة بعد أن أخطأت في اسم الدواء الناجع المكتوب دائماً بأحرف أجنبية، دليل الفائدة والشفاء من سقام اللهاث والصراخ والعويل غير المبرر.

في أقطار ابتليت بداء الاستعمار ومحاولات محو الهوية، كانت «لغة الضاد» أقوى وأندى من كل محاولات اللغات الدخيلة التي راحت تزاحم وتغري أبناءها البررة، الذين ربما فكروا للحظات ببيعها مقابل الحصول على رضا «الخواجة» الساخر منا على الدوام.. ربما هي الحقيقة التي باح بها «ابن خلدون» ونرفض مكابرين الاعتراف بها.

وهي أن الأمم الضعيفة تقلد وتحاكي الأمم القوية، مع أننا نجد كل أمم الأرض تفاخر بلغاتها التي قد لا ينطق بها إلا أهلها مهما قلً أو كثر عددهم، ليأتي في آخر هذا الزمن الأغبر، من يدعو إلى مخاطبة الآخر بلغته، خشية أن يتعب وهو يفك طلاسم لا يجد وقتاً كافياً لحل أحجيتها.

أسأل نفسي مراراً.. لم نفعل هكذا ونلهث وراء سراب لا طائل منه، وهل نكرر أخطاء الآخرين وننسى أننا نمتلك ناصية لغة من أروع وأبدع اللغات، وهل ننسى الوقع الجميل والجرس الرهيف لحروف تراصت واصطفت لتستوعب كل المفردات والمصطلحات والتعبير التي نود البوح بها؟

أم أننا قررنا متعمدين أو مجبرين على محاربة أنفسنا والقضاء على آخر قلاع الصمود في نفوسنا المتعبة، مرة بجعل «عربيتنا» لغة ثانوية ثانية.

ومرة بالحديث عن صعوبة نحوها وصرفها وقواعدها التي ما أوجدت إلا للحفاظ على وجهها الصبوح من كل عمليات التجميل ومساحيق إخفاء تجاعيد «شيخوخة» اللغات الأخرى التي تحورت وتحولت مئات المرات، واختزلت واختصرت وفصَلت على مقاس من يرغبون تداولها على اعتبار أنها لغة عالمية تستوعب كل هذه الترهات.

أم أننا بتنا نهوى إقامة مجالس العزاء في الهواء الطلق، وعلى شتات أفكارنا المعلبة الجاهزة، لنرطن ونلوي ألستنا القصيرة عن الحق، نستجدي شهادات ميلادنا، وتواريخ نهايتنا التي سينساها الجميع، علنا نتحول بقدرة قادر إلى «دمى» جديرة بالسخرية.

أسفي على زمن أبطاله من ورق مستورد، يستحقون الوأد قبل الحياة، كما لا يستحقون الرثاء بالعربية التي يعز عليها حتى الرثاء في هذه المواقف التي يشَح فيها الحديث عن تباريح الغربة والحنين إلى كل ما هو ناصع في تاريخها الطويل.

alomawi@albayan.ae