عرض على خشبة مسرح «مركز هولست الثقافي» التابع لبلدية غزة وبتمويله وإشرافه العرض المسرحي الملحمي «كأنها لعبة»، وهو العمل المسرحي الأول لجماعة (تجريب) الثقافية، العرض من رؤية وإخراج :عصام شاهين، تقني صوت ومخرج منفذ:

إبراهيم سلمان، ممثل ومساعد مخرج: زياد خضر، العرض تم بتنفيذ «مؤسسة بسمة للثقافة والفنون» وتمثيل كل من: حسام العشي، وائل معروف، مؤمن عنتر، وافي صبح، علاء القيشاوي، وسيم الهندي، عبدالرحمن أبو سيدو، محمد الحسنات، يوسف أبو الخير، سماح الشيخ، تقني إضاءة: فراس جنينة، المختارات الموسيقية من إعداد عصام شاهين وإبراهيم سلمان.

تبدأ المسرحية بمشهد فوضى للديكور، حيث الكراسي ملقاة فوق بعضها، فيقوم الممثلون بترتيبها على نغمات الموسيقى ثم يدور نقاش متوتر بين الممثلين يكشف عن مفاجأة مزدوجة للجمهور، فأولاً مخرج المسرحية لم يدرّب الفرقة على نص، لأنه لم يجد نصاً مناسباً يلائم الحالة.

وثانياَ مخرج المسرحية غير موجود وجميع الممثلين يتخبّطون لا يدرون ماذا يقدمون للجمهور الذي أتى للعرض. الموضوع الأول الذي يطرحه شاهين هو غياب أو ندرة النص المناسب لحالتنا - رغم كثرة النصوص في سوق المسرح الغزّي والفلسطيني إجمالاً.

في هذا المشهد الافتتاحي يقوم الممثلون بتمارين إحماء كأنها إرهاص للصراع الذي سنراه لاحقاً، كما نجد في نفس المشهد مناوشات كلامية بين ممثل وممثلة في الفرقة حيث يوحي شاهين هنا بأحد أنواع الصراع وهو صراع الرجل والمرأة من أجل حقوق الأخيرة.

وأثناء النقاش تحدث مشادّة أخرى- كلامية وبدنية هذه المرة- بين اثنين من الممثلين وهنا يتم بشكل أوضح طرح اللحن الرئيسي لإيقاع المسرحية.

وهو الصراع والتناحر والاختلاف والنزاع وغيرها من مسميات لثيمة أزلية بين الإنسان وأخيه الإنسان. يتلو ذلك ترديد جماعي ثنائي لمفردات الصراع والموت والحرب ومظاهره: الجفاف، المرض، الوباء. ثم ينطلق شاهين في رسم لوحات تمثيلية تصوّر الصراع على مرّ الأزمنة والثقافات.

تبدأ بانوراما الصراع الدرامية بلوحة «أصل الصراع» التي نرى فيها أيضاً جماعية ثنائية حيث ترمز كل مجموعة لقطبي الصراع البشري الأول هابيل وقابيل، ونجد فيها أن الإنسان ينسى أنه إنسان حين يقتل.

ويطلب قابيل الصفح ويسامحه هابيل. ثم يمثّل الممثلون في لوحة جسدية موسيقية قتل هابيل، ليطرح بعدها شاهين فلسفة القتل: إن قابيل قتل ليثبت أن الإنسان يقتل أيضاً. وقتل الأخ له دلالاته في واقعنا المحلي والعربي، ويتلو ذلك نقاش بين الممثلين لاختيار اللوحة التالية.

اللوحة الثانية هي لوحة إغريقية «هكتور وآخيل» من «الإلياذة» حيث يمثّل ممثلون مبارزة هكتور وآخيل في الإلياذة التي يقتطف منها شاهين بمهارة أقوى عباراتها التي تخدم موضوع مسرحيته مثل «حرب وحرب ولا نهاية». وهنا إسقاط على واقعنا السياسي الفلسطيني المرتبك حيث حالة اللاسلم واللاحرب. ففي الوقت الذي توجد فيه عهود ومواثيق نقابل - في الوقت ذاته - الحرب والقتل.

ثم ينتقل بنا شاهين إلى لوحة «كُلَيْب وجسّاس» وهي لوحة عربية من تراثنا مستمدة من سيرة «الزير سالم» تمثل لا مبالاة كليب وغضبه من جساس ثم قتل جساس له وثورة الزير سالم لأخيه وعزمه على الانتقام، ثم يتبع ذلك نقاش آخر بين الممثلين.

لوحة «دياب والزناتي خليفة» والتي هي مستمدة أيضاً من تراثنا العربي ومن سيرة عربية أخرى هي سيرة «أبو زيد الهلالي». نجد هنا تنكّر دياب لقتل الزناتي خليفة وبروز الزناتي له في الميدان للمبارزة وقتله على يد دياب، هنا صراع الأخوة أيضاً، ويتلو ذلك نقاش مهم بين الممثلين ويتساءل أحدهم حول جدوى الملحمة في عصرنا بينما الآخر يرى أن زمنها كان زمن الجماعة والوحدة مقارنةً بالتمزّق الاجتماعي الحالي.

اللوحة التالية رومانسية وهي لوحة «روميو وجولييت» من مسرحية شكسبير المعنونة بالعنوان ذاته،وفي رأيي أن شاهين طرحها لثلاثة أسباب ، الأول: هو طرح صراع من نوع آخر، فالصراع هنا من أجل الحب وليس من أجل المنفعة أو الغيرة أو الحقد كما في اللوحات السابقة، والسبب الثاني: ان المسرحية الشكسبيرية تحوي الصراع أيضاً والموت والخطر وغيره، والسبب الثالث :

ان شاهين يريد طرح الحب مقابل الموت وطرح المودّة مقابل الصراع. وهذا ما أشرنا إليه سابقاً في جدلية الحياة( الموت والحب) الصراع. وكعادة شاهين في الكوميديا السوداء الساخرة ينهي أحد الممثلين المشهد بأغنية لأم كلثوم(حب إيه اللي انت جاي تقول عليه).

ويستمر النقاش بين أعضاء الفريق فيسرد الممثلون مقتطفات من مسرحيات صراعية - إن جاز التعبير - وشكسبيرية أيضاً هي هاملت وتاجر البندقية والملك لير.

يتلو ذلك لوحة «الحرب» وهي لوحة استعراضية تمثل الصراع على إيقاعات موسيقية قوية، تمثله بكافة أدواته من حجر وبندقية وقوس ورمح حتى نصل لعصر القتل التكنولوجي بالطيران والمدفعية الخ، وتنتهي اللوحة بموت الجميع ثم أغنية ذات دلالة. يليها استمرار للنقاش بين الممثلين، يطرح شاهين من خلاله قضية الثقافة ودورها في إيقاظ الأمة.

يقترح أحدهم فيما بعد الانتقال للواقع الفلسطيني فتطرح لوحة الانتفاضة بشكل مباشر هنا ويكون محورها الصبيّ - الذي يمثل المستقبل الفلسطيني - وجدّه الذي يمثل فلسطين ونكبتها والأم التي تمثل المناضلة التي تحرّض أولادها من أجل المقاومة.

وهنا نصل للوحة الأخيرة «العرب والسلام»، شاهين يطرح هنا قضيتين معاً. الأولى قضية العرب وانقسامهم إلى جماعتين أحداهما رأسمالية تشرب الويسكي -رمزاً للغرب- والأخرى اشتراكية تشرب الفودكا -رمزاً للاتحاد السوفييتي السابق - وهما معاً يلعنان القهوة، وهنا إشارة لتنكّرهما لتراثهما. وينتهي المشهد برمزين أولهما سقوطهم أرضاً وثانيهما خلعهم للعقالات رمزاً لتخلّيهم عن أصلهم العربي.

ثم ينهي شاهين مسرحيته باستمرار جدلية الصراع والسلام على الصعيد الوطني والعربي والعالمي، حيث يقول مجموع الممثلين معاً «هكذا تمرّ الحياة، كأنها لعبة، صراع ثم سلام ثم صراع ثم سلام» وانتهاء العبارة أو المسرحية بكلمة سلام لها مدلولها، والمخرج عصام شاهين بحتمية السلام في نهاية المطاف بعد أن يثخن الجميع بالجراح ويصبح حمام الدم فوق احتمال الجميع.

غزة ـ سماح الشيخ: