النقاشات الحادة والنبرة العالية، أبرز ما ميَز أمسية «نادي الشعر» باتحاد كتاب وأدباء الإمارات، والتي شارك فيها كل من الشعراء طلال سالم من الإمارات ورعد أمان من اليمن وعبد الرحمن الضيخ من سوريا، والتي أشار عبد الرزاق درباس منسق النادي في بدايتها إلى أنه إذا كان الشعراء الثلاثة منحازين للإيقاع والوزن ولا يتخلون عنه، فذلك لإيمانهم أن:

«النثر مشي والشعر رقص»، كما قال مارون عبود ونزار قباني، لذلك ظلوا محافظين على هذا الخيط الإيقاعي الذي يشد السامع والقارئ، ويفرز الإبداع بين شعر موقع كوقع خطوات النوق في حنينها، وشعر ما زال يجرب حظه ويثبت وجوده كتيار له مريدوه ومحبوه، مؤكداً أن اتحاد كتاب وأدباء الإمارات لا يتعصب إلا للشعر الجميل، مع فتح الأبواب للجميع دون مصادرة تيار دون آخر.

بدأ الأمسية الشاعر الإماراتي طلال سالم بعدد من قصائده التي وصفها بالقديمة قائلاً: شَيد بناءك لا زالت نواصينا/ على الرصيف وجوع الأرض يصلينا/ لا زلت ترفع جدرانا تباعدنا/ لتختبي والأسى صمت أيأوينا/ كل تلاشى وعاث السوس في غدنا/ حقد يلملم ميراثاً أيحمينا/ شيد غروبك محتاج إلى لغة/ غير الغروب لتفنى في نواحينا/ شَيد فالريح يأس حين تحملنا موانئ الصمت/ تاريخ أيرثينا/ سل ذلك النخيل سلني، لا تسل أحداً/ سل الرماح العوالي عن مآسينا.

أما في قصيدة «خرير الضوء» فقال: يا ذلك الليل يطويني ويرتجف/ وحدي يلوذ بنبضي الدفء يلتحف/ والكبرياء أزاهيري نمت شرفاً/ موانئ في هدوء الصبر تختلف/ أطويك حلم السنين الخضر تجمعني/ فيك انطلاقاً يداريني ويستلف/ وموطناً من خرير الضوء أرسمه/ بشرى ضفاف أناغيها أنا الصدف.

في حين ألقى الشاعر السوري عبد الرحمن الضيخ قصيدة اختار لها عنوان «عشيقة الجد» من أجوائها: قال لي هاروت في يوم مطير/ ارفع الأشرعة البيضاء واستجدي الشياطين/ سجَل التنور للأيقونة الزرقاء واشَوي المرمر المنضود تلاً للغبار/ وانزع عن الجلاد توت القرن واصرخ عالياً كالميت/ خذني إلى نطع التواريخ القتيلة / ألقني في عمق بوابات يوم مارق الآفات.

أما الإعلامي والشاعر اليمني رعد أمان فألقى قصيدة بعنوان «عاند زمانك» قال فيها: عاند زمانك واتبع رسم من بانوا/ فليس شعراً سوى شعر الآلى كانوا/ واهجر بلاقع نثر الناثرين هباً/ تنَزه الشعر لا كانت ولا كانوا/ وغازل الضاد أبياتاً وقافية/ لها بأرواحنا وقعُ وإرنان/ فجنة الشعر لن يسبيك منظرها/ إلا إذا بهرت عينيك ألوان.

إلى أن قال: ولا يغرنك ما في (الحر) من فسح/ ما تلك إلا مدى ذاو وخسران/ لا الوحي ينزل في ساحات أنفسهم/ ولا لعبقر في الأرواح وديان/ مهما تجلى نهار الكون عن فتن/ ففي قلوبهم عتم وإدجان/ كأنهم في خواء الدَجن قد لبدوا/ دهراً وليس لهم عمر وأزمان/ يبددون سدى أيامهم وهباً/ يمضون في العمر كاللاشيء لا كانوا.

كما ألقى قصيدة على شكل موشح بعنوان «أنا والمزهر»، وقصيدة «قم وادع الأشجان»، وأخرى بعنوان «حلم» نختار منها: يا قلب ماذا تروم من عمري الباقي/ قد أذبلتني الهموم وزاد إخفاقي/ والبوم راحت تحوم في دجن آفاقي/ يا قلب كيف تغيب في مشرق شمسي/ قل لي وكيف يطيب وقد ذوى غرسي/ سألت لم لا تجيب هل فيك من حسي/ ما أنت إلا غريب عني وعن نفسي.

ردود فعل الجمهور تفاوتت بين مؤيد ومعارض إلى ما ذهب إليه الشاعر اليمني، من ناحية هجومه الشرس على الشعر الحديث، وتعصبه للشعر العمودي واستخدامه لبعض المفردات الغريبة الصعبة، كذلك إصراره على الدفاع على نوع شعري لم يعد مناسباً للهموم المعاصرة اليومية.

في الوقت الذي يجب فيه التمييز والبحث عن عمق القصيدة ومعناها بغض النظر عن الأسلوب والقالب الشعري، في حين دافع البعض عن الشاعر «أمان» من ناحية عدم تحديده لأسماء معينة، في الوقت الذي يعاني فيه بعض شعراء «الشعر الحديث» من مشاكل إملائية ونحوية فادحة، كما أن هناك تعديا واضحا على الشعر تحت مسميات شتى أولها الحداثة والتجديد، مما أضفى حيوية على هذه الأمسية على اعتبار أن من خلق الجمال وسحره، جعل البيان وسره في الضاد.

أنس الأموي