إن ماتت الرواية، نضبت حياتنا وتلاشت. حياتنا بدون الرواية، تصبح لا مغزى لها. الرواية.. حياة، ديمومة مستمرة، لا تتوقف. والفن تقليد للواقع كما قال أرسطو.

حياتنا، صورة صادقة من الفن الروائي، رواية كاملة، متطابقة الأصل والصورة دون زيف أو رتوش. حلقات متصلة، كل حلقة مهمة وضرورية للربط بين بقية الحلقات. النهاية هي الموت أو الغياب.

في الرواية كما في الحياة، كل حدث متصل بالحدث الذي يليه، ليطوره أو يحتويه. أحداث الرواية دائما، متصلة وليست منفصلة أو قائمة بذاتها. في الحياة كما يحدث في الرواية لا يمكن فصل الأحداث لأنها مرتبطة معا برباط عضوي لا يمكن فصله، إلا بالموت أو الغياب عن مسرح الأحداث.

أيامنا هكذا.. الأمس الدابر الذي مّر، لا يمكن أن يعود، لكنه ترك أثرا كبيرا في الأيام القادمات من وراء الغيب. ترك أثرا لا يمكن أن يمحى أو ينتهي، سيظل مرتبطا بالأحداث السابقة، واللاحقة.. التي تمثل الامتداد الطبيعي، وتطور الحدث حتى الذروة. ما يسمى في الرواية (لحظة التنوير)، وغالبا، تأتي مع النهاية، مع الموت أو الغياب.

اليوم، من أيامنا، يشكل حلقة من بقية الأيام.حلقة مليئة بالأحداث والوقائع والحكايات.. من هنا تبدأ الحكاية أو الرواية، وتستمر مع أحداث اليوم الواحد في تواصل وتصاعد حتى تتلاشى هذه الخيوط الدرامية مع أشعة الشمس الغاربة وراء الحاجب الغربي، مخلفة وراءها آثارا كبيرة من الوقائع والذكريات والأحلام المحزنة أو السعيدة.

يقف الإنسان كل يوم مشدوها، أمام غموض الحياة. ما الفرق بين حوادث الروايات وحوادث الحياة ؟! ما الفارق؟! الرواية غامضة كغموض الحياة ذاتها.كيف نستطيع التثبت من حقيقة أحداث الروايات الأكثر إثارة وتشويقا من الحوارات الحقيقية؟!

الرواية تقدم لنا جزءا خادعا من الحقيقة، من خلال ما يظهره لنا النص الروائي، ربما خلافا لما يبطنه الراوي. الروائي، صاحب الحكاية أو الرواية، مؤلفها أو ناقلها، أو شاهد عليها، كل ما جاء في روايته المكتوبة هذه التي بين أيدينا نقرأ سطورها، لا يمكن للقارئ التثبت من صحة ما يقوله لنا، إنه يعطي كلامه مظهر الحقيقة. الحوادث في النص شبيهة بالحوادث اليومية في البيت والشارع والمجتمع.

نحن نعيش كل يوم حكاية من الحكايات، أو فصلا من الرواية أو حلقة من الحلقات دون انقطاع، فهل نحن نعيش الحقيقة أو الخيال، نعيش الأيام أو الأحلام والروايات؟!.

ما حدث في الصباح، من أحاديث متنوعة ومتبادلة حول المائدة، كل فرد يروي قصته، يحكيها بطريقته الخاصة، أو يعيشها في صمت، لأنه يقوم بالدور كاملا، قلبا وقالبا. وكل فرد من الأسرة يشدنا إلى قطاع خاص من الحقيقة، وليست الحقيقة كاملة.

عالمنا اليومي. جزء كبير من هذه الحكايات أو الروايات، فإذا شئنا أن نتجنب الخطأ ـ في القص ـ علينا إعطاء الحوادث المرورية صفات تميزها بسهولة عن الحوادث التي اعتدنا أن نراها ونسردها ونعيشها في الصباح وحتى المساء، كي لا نضل الطريق ونتوه، في زحام الحياة والروايات.