هذا عمل روائي «عيناك يا حمدة» لكاتبة إماراتية اختارت لقبا تنسب إليه كتابها، هو «الغدير العذب»، وقد أشرنا في مقال سابق لهذه العودة. ولعلنا نتجاوز بعض الشروط الملزمة في النشر عن منتج أدبي انطلاقا من هدف المؤسسة الاعلامية في تشجيع الأقلام المحلية وتسليط الضوء على عمل اقترب من الاكتمال في بنائه الفني
. نعرض هنا الاثر الذي تركه فينا هذا العمل الأدبي الإماراتي. ولعلنا ننطلق من تساؤل فرض نفسه، وهو لماذا اختارت صاحبة العمل «الغدير العذب» رمزا أو صفة لشخصيتها؟
هذا التساؤل طرحناه مباشرة على الكاتبة وكانت إجابتها دلالة على اهتمامها بالاطلاع على المنتج المحلي أولا، والاستشهاد بمن سبقوها في هذا المجال محاولة الاغتراف من إبداع أبناء هذا البلد؛ المنتمين إلى البيئة التي تنتمي هي إليها فاختارت شطرا من بيت في قصيدة للشاعر الإماراتي المعروف سالم الزمر وهو الغدير العذب ثم استندت على العديد من الإصدارات المحلية في التراث والبيئة لتقدم عملها الروائي الأول.
«عيناك يا حمدة» عمل يقوم على حكاية شابة تتوقف عن استكمال دراستها ، وتعتزل الحياة الاجتماعية وتضحي بالعاطفة والحب وترهن سنوات عمرها القادمة للعناية بوالدها المقعد، و لا تقوم بكل ذلك بدافع البر بوالدها ؛ بقدر ما هو بدافع إعطاء الأب المتعجرف درسا في الحنان.
وكيفية العطاء مع كل ما تحمله له من ذكريات في القسوة، والتمييز بينها كأنثى وتزكية أخوتها الذكور، ومنحهم سلطات وحريات لا محدودة، ولا ملتزمة بضوابط ولا متقيدة بقواعد تربوية سوية، أو تلك المنطلقة من الحرص على الحياة.
وإنما حقوق ورخص تميل إلى المغالاة لدرجة التطرف؛ الأمر الذي جلب النتيجة المتوقعة لمثل هذه الممارسات البعيدة عن الوعي، وغير العادلة .. البعيدة عن الانصاف بين تربية الذكور وتربية الإناث في المجتمعات الخليجية والإماراتية بالذات.
«عيناك يا حمدة» عمل يتناول مرحلة الطفرة ويؤرخ لحياة الوفرة والنعيم في أعقاب اكتشاف النفط ومردوده المادي الذي اتضح سريعا، وشملت آثاره كل مناحي الحياة. جاء العمل كما أرادت له الكاتبة في 29 جزءا كل جزء بحجم القصة القصيرة ، وهو الفن الذي انطلقت منه الكاتبة أساسا، وكون تجربتها قبل الشروع في اعداد عملها الروائي الأول الذي بين يدينا.
رصدت فيه لإشكالية العلاقة بين الحماة وزوجة الابن التي تفشل في إنجاب الذكر، وكيف يتفتق دهاء الحماة عن فكرة تسد بها عجز ابنها عن إنجاب ذكر، وتخرس ألسنة الناس عن الأقاويل حين تتستر على ميلاد الطفلة.
وتعلن بان المولود ذكر ويطلق عليه اسم حمد طوال عام كامل وتسري الخطة ويصدقها الناس حتى يأتي الذكر فعلا فينتقل إليه الاسم «حمد» فيضاف إلى اسم الطفلة البكر تاء التأنيث لتصبح حمدة.
ومن هنا تبدأ الانعطافة النفسية لـ «حمدة» حيث تنازعها مشاعر غيرة الطفولة، ثم تكبر عوامل التمرد وتعتلج في نفس البطلة لتشكل شخصيتها فيما بعد. نجحت الكاتبة في رصد تحولات شخصية البطلة حمدة كما رصدت لعدد من المشكلات والقضايا الاجتماعية والتي لا يزال عدد كبير منها يجثم على صدر الواقع المعاش إن لم تكن القضايا ذاتها فنتائجها ذات الأثر الأسوأ.
اشتمل العمل على شخصيات حملت ملامح المجتمع الأصيلة ونقلت مشاهد من الحياة في تلك الفترة إلى جانب وصف لأشكال العلاقات وأشكال البيوت وبعض المهن المحلية النسائية خاصة.
كما رصدت لبعض العادات المتعلقة بالزيارات العائلية وزيارات الجيران وتقاليد الضيافة، وطقوس العبادات وعادات الاستعداد للقيام بها والاحتفال بمناسبة الانتهاء من أدائها كما في أداء فريضة الحج وزيارة بيت الله الحرام في مكة.
أما لغة العمل فقد جاءت سلسة بسيطة قريبة من القارئ العادي، وقام الحوار بين الشخصيات على اللهجة العامية الدارجة للمدن في إمارات الدولة، ولم تستخدم لهجة القرى أو المدن الزراعية أو لهجة الريف، وهي مختلفة عسرة الفهم على الجيل الجديد من الشباب القارئ فاختارت اللهجة المعروفة.
كما نجحت في خلق وبناء شخصيات أبطالها على حدة؛ في تسلسل منطقي ومناسب؛ فلا ينتهي القارئ إلا وتبقى في ذاكرته مواقف الشخصيات وحركاتها كما رسمتها الكاتبة؛ فهناك الخادمة «صالحة» ذات الشخصية التلقائية وردود الأفعال التي لا يسبقها تفكير؛ موضحة أن الخادمة سابقا لم ينظر إليها بأقل من أنها عضو من أفراد الأسرة.
وهناك «راشد» الجامعي المثقف المغرم بحمدة منذ الصغر؛ المخلص في عاطفته حتى النهاية؛ وهناك الخال «محمد» الذي يغترب بهدف الدراسة ثم يلتحق بحركات المقاومة السرية للدفاع عن القضية الفلسطينية، ثم يحدث تحول في شخصيته .
ويفقد إيمانه بالشعارات والبطولات بعدما ذاق طعم المعتقل؛ فيعود لأرض الوطن باحثا عن عروس تنجب له أبناء يتحمل مسؤوليتهم فقط! إلى جانب باقي الشخصيات ورسم كل شخصية ووسمها بالطابع النفسي المناسب لموقعها في النص.
أما العمل في بنائه الفني فقد اعتمد على اسلوب الفلاش باك حيث تبدأ الكاتبة السرد بلقاء مرتقب بين بطلة العمل حمدة براشد الذي كاد يصبح زوجها قبل عشر سنوات لولا حادث السير المأساوي الذي أودى بحياة والدتها وأقعد والدها عن الحركة جراء قيادة أخيها حمد الذي كان يفتقد خبرة القيادة ثم تتوالى الأحداث من خلال تذكر البطلة لمسيرة حياتها منذ كانت في العاشرة من عمرها؛ إلى أن حان الفراق الذي استمر عشر سنوات.
وتمر من خلال الذكريات على تفاصيل تتعلق بالجوانب الاجتماعية والاقتصادية والسياسية والثقافية، وقضايا مثل غلاء المهور والدراسة في الخارج والارتباط بالقومية العربية والقضية الفلسطينية والحركات الاسلامية.
قد تكون ثغرات البناء محدودة ولعلنا نشير الى مستوى تفكير حمدة نفسها كما رسمته الكاتبة حيث يغيب الاقناع بمستوى تفكيرها الذي يفوق مستوى تفكير واستيعاب ووعي طفلة في العاشرة من عمرها فقط. أما باقي الملاحظات فإننا نتركها لقلم النقد المختص؛ فالعمل يستحق مثل هذه العناية؛ لكونه قلما روائيا يعد بالكثير.
ولكون الكاتبة بصدد الانتهاء من عملها الروائي الثاني. في ختام هذه القراءة يتساءل المرء مجددا كيف يمكن للمبدع الوقوف بجانب منتجه الأدبي، وتلقي الأسئلة حوله، ومواجهة النقد؟ وهو متوار خلف قناع الاسم المستعار، وتجنب الظهور العلني ولو في أضيق الحدود! إن ذلك مطلب مشروع تزكيه المصداقية؛ طالما كان المبدع يجدف نحو مشروع أدبي حقيقي وجاد.
كتبت: فاطمة محمد الهديدي
