يأخذ الحوار مع د. جان داوود، لوناً مختلفاً عن بقية الحوارات الثقافية، على اعتبار أنه رجل مسرح بامتياز، بعد أكثر من عشرين عاماً كمعد وممثل وأستاذ جامعي ومخرج، صاحب مؤلفات وكتب أدبية ومعرفية، إلى جانب شخصيته الأليفة المحببة.

ونقده الموضوعي لكثير من المفاهيم والمصطلحات الدارجة، نافياً مقولة «المحلية التي تبدأ من العالمية»، مؤكداً أن المسرح الحقيقي يتناول الإنسان المطلق ويطرح قضايا إنسانية، داعياً في الوقت نفسه إلى تأسيس أجيال جديدة شابة.

ـ بداية.. هل يمكن الحديث عن مسرح محلي يمتلك مقومات النجاح والاستمرارية؟

ـ قبل الحديث عن المسرح المحلي، لا بد من الحديث عن ضرورة إيجاد معهد فنون ذي صيغة تختلف عن الصيغة التقليدية لمعاهد الفنون في العالم العربي.

وذلك من خلال وضع خطط لورش عمل ثابتة، فهناك فرق بين نقل الخبرة والتأسيس لمشروع مسرح متكامل، كما أنه من المهم ألا يأخذ معهد الفنون شكل بعض معاهد الفنون في العالم العربي والتي تتحول إلى مؤسسات فيها بعض الأساتذة الجيدين ويطغى عليها طابع الوظيفة والجمود على المستوى البحثي.

وهذا يقودنا إلى أحد المشاكل الكبيرة التي يعاني منها المسرح العربي وهي الكتب التي تترجم بسرعة كبيرة تخالف جوهر الكتاب الأساسي وتسيء ليس فقط إلى الكاتب الأساسي .

وإنما للمتلقي الذي يعتقد ويقول بأشياء غير صحيحة بالأساس، لأن أغلب من يقومون بعملية الترجمة هم من غير المتخصصين، الذين لا يمتلكون روح المسرح وماهيته، لذلك تأتي أهمية الورش التأسيسية على مستوى إعداد الممثل والمؤلف والورش الخاصة على مستوى الإخراج.

خاصة إذا علمنا أنه لا يوجد مسرح دون «دراما تورج»، وهذا ما يؤدي إلى تفاوت مستوى الاعمال المسرحية وتفاوت مستوى الفرق مما يؤثر على الحركة المسرحية بشكل عام.

ومن خلال مشاركتي في «أيام الشارقة المسرحية» أستطيع الحديث عن تفاوت العروض على مستوى التمثيل والبناء الدرامي والتأليف والسينوغرافيا، وما يمكن أن يدفع بالحركة المسرحية إلى الأمام هو تأسيس أو إعادة تأسيس لمنطلقات تقنية وورش عمل على مستوى إعداد الممثل.

ـ وأين تكمن خصوصية المسرح الخليجي والمسرح الإماراتي عن بقية المسارح العربية؟

ـ لست ممن يفضل القول أن هناك مسرحا أميركيا أو فرنسيا أو مسرحا عربيا، فهذه تعابير نستخدمها ضمن أطر ومفاهيم معينة.. فهل نقول عن نص «هاملت» انه ينتمي إلى المسرح الإنجليزي، وهل نعتبر نص «يونيسكو» نصاً فرنسياً، أو أعمال «سعد الله ونوس» نصوصاً مسرحية سورية، لذلك يجب أن نتفق أولاً على المصطلحات.

ونرى هل يمكن الحديث عن المسرح الخليجي من خلال أعمال قدمها ممثلون من الخليج العربي..؟! وبرأيي لا يوجد مسرح خليجي أو لبناني لأن المسرح الحقيقي يتناول الإنسان المطلق ويطرح قضايا إنسانية بالمطلق.

ـ لكنك بذلك تخالف مقولة أن العالمية تبدأ من المحلية؟

ـ هذه المفردات والتعابير للتسلية، في الندوات والأمسيات والحوارات فقط.. فأن تبني ذاتك أولاً وتذهب باتجاه الكونية ولكن أن تكون محلياً وتنحصر بالمحلية لتكون عالمياً فهذا غير منطقي، وبالنسبة لي أعرف الكثير من الناس نجحوا وقدموا أعمالاً كبيرة على المستوى المحلي ولم يكونوا عالميين أبداً..

وأعتقد أن مشكلة الحوارات حول المسرح في العالم العربي أنها تدخل في إطار إسقاطات كلامية وكلام في المطلق وعبارات يتم تداولها من فلان إلى فلان وهكذا دواليك، وليس هناك من بحث على مستوى اللغة والأفكار، كما ليس هناك من تطوير أو طروحات جديدة.

وهذا ما يفرض علينا أن ننتبه إلى أنفسنا وأن نبحث ونجدد أنفسنا باستمرار.. لأن العالمية تنتهي عندما تجدد وتجذر نفسك في آن، أي تقوم بحركتين: داخلية نحو جذورك، وأخرى مفتوحة باتجاه العالم على مستوى المعرفة وعلى مستويات كثيرة.

ـ يقال دائماً إن المسرحي العربي يعاني من مشاكل تقنية عديدة، فهل أنت مع هذا الطرح؟

ـ بالتأكيد وخاصة على صعيد الممثلين، ممن يمتلكون أصواتاً دافئة، بعيدة عن الصراخ القاسي على الخشبة، وهذا يعود إلى سوء إعداد الممثل، وإلى مشكلة في فهم الفلسفة العامة في مقاربة المسرح، لأنه لا يمكن أن تأتي إلى المسرح لتكتب نصوصاً وليس لديك ذاك البعد الثقافي والفلسفي وذاك الاهتمام الكبير على مستوى علم النفس والاجتماع.

ودون أن يكون لديك تلك الشجاعة على البحث باستمرار، وتلك الممارسة اليومية للكتابة، أي أن تمتلك مفهوم «الاقتصاد» في الكتابة المسرحية، لأنه لا يمكن أن نكتب مسرحاً ونحن نطبق نموذجاً معيناً أو صيغة معينة لشخصية نقوم بإسقاطها من هنا أو هناك، فلكي تكتب مسرحاً عليك أن تمر بتجربة محترفات إعداد الممثل.

فمن الضروري أن تدرك بحدس أو بمعرفة علمية مفهوم الممثل، لأن الثقافة العامة والهم الإنساني والمعرفة في أعلى مرتباتها هي شرط أساسي لكتابة النص المسرحي.

ـ وهل يمكن اعتبار التجارب المسرحية المحلية، نصوصاً لا ترقى إلى مستوى التجربة؟

ـ ليس في الخليج العربي فقط.. فهناك من يتحدث عن «المسرح الاختباري» أو «المسرح التجريبي»، وعلينا أن ندرك بأن نأخذ المثل من العلوم الطبية.

حيث يجب أن تدرك أولاً المعارف السابقة، لتبدأ بالاختبار، أي امتلاك المعرفة في أعلى درجاتها للوصول إلى التجريب وليس العكس، لهذا السبب يقتضي المسرح التجريبي والاختباري أعلى درجات المعرفة في الاختصاص، لأن الاختباري هو من يتجه إلى تعابير وأشكال جديدة فكيف يمكنني البحث عن أشكال جديدة وأنا لا أدرك الأشكال السابقة بالأساس.

ـ على هذا الأساس ماذا ينقص المسرح الإماراتي بشكل خاص؟

ـ لنعترف أولاً أن المسرح الإماراتي يمتلك أشياء غير موجودة في المسرح في لبنان ولا في أماكن أخرى، وأقصد هنا الدعم المادي والمعنوي والاهتمام الصادق، لأن هناك فرقا بين أن يأتي مسؤول ويقول لك خذ هذه الأموال وأعطني إنتاجاً، وبين أن يكون مهتماً، يكتب المسرح ويقدم لك الدعم، فتشعر بالاحترام وجمال الانتماء إلى هذه البيئة الثقافية.

ماذا ينقص المسرح الإماراتي.. بالنسبة لي شخصياً أعمل في المسرح منذ أكثر من عشرين سنة كمعد و ممثل وأستاذ جامعي لمادة الدراماتورج والإخراج ولدي مؤلفاتي وكتاباتي، ومع ذلك أقول ينقصني الكثير وعلَي أن أكمل تجربتي.. وهذا ما أقوله بالنسبة للمسرح سواء في الإمارات أو الخليج العربي، لكن من المهم تأسيس أجيال جديدة شابة على قواعد وأسس علمية.

حوار: أنس الأموي