منذ زمن بعيد أدركت كل وسائل الإعلام عامة، والمرئية منها خاصة أن المصداقية وقودها الدائم للاستمرار، ولذلك بات المشاهد العادي في كثير من الأحيان يعتقد أن جميع المحطات تبث أخباراً متشابهة، لكن في واقع الحال لصياغة الخبر وتقديمه وتأخيره والإضافة عليه أو التنقيص منه أو رفده بخبر آخر داعما له أو معارضا أو مؤولا إياه...

ولمصاحبة الخبر بصورة ما، تقلل من أهميته أمام وهجها أو تزيد من غليانه أو تسخّفه أو تترك له وقعاً حقيقياً أو وهمياً... لكل ذلك معاهد وجامعات وعلماء لغة وعلماء نفس واجتماع واختصاصيو إضاءة وتصوير وديكور وألوان..

والتاريخ حافل بالأمثلة عن صياغة خطابات الرؤساء، وما يكتنفها من دقة في تمرير خبر من الأخبار... وربما أمكننا القول انه صار لصناعة الخبر علم خاص به، وهذا العلم هو الذي يميز خطاباً عن خطاب، ومحطة عن أخرى محلياً وعالمياً.. وفي ظل كل هذا، ماذا عن الجزيرة؟

إن ما تقوم به محطة الجزيرة تعدى بكثير بدهية صناعة الخبر.. فإضافة لمحاولاتها المستمرة في ترسيخ حرية الرأي، وأسس الحوار واحترام الآخر وسماعه ونقل أخباره بشفافية حتى لو كان من جنوب أفغانستان...

وإضافة للنوافذ التي تفتحها على ثقافات الشعوب الأخرى، والاهتمام بالقضايا الاقتصادية والفنية والرياضية، والمتابعة الدقيقة لكل جديد في العالم .. فإن الجزيرة ـ في زمن محاولات الطغاة كتابة تاريخ بلادهم من خلال تاريخهم الشخصي ـ شاهد على العصر و تشارك في تدوين وإعادة تدوين التاريخ العربي بكل مصداقية وموضوعية، وعلى كل الأصعدة..

وفي (على كل الأصعدة) يكمن تميز الجزيرة ووقودها الإضافي والدائم، وسر استمرارها مع استمرار الحياة.. فعلى صعيد المكان دونت الجزيرة، مثلا، لذاكرة المستقبل كل الأمكنة المقدسة والأثرية داخل فلسطين المحتلة، والتي منها مساجد حولها الصهاينة واليهود إلى بارات أو أسواق أو مقاه.. ومازالوا.

وعلى الصعيد الاجتماعي والعلمي دونت في أرشيف العرب أسماء لمغتربين وعلماء وصناع حضارة، نسيتهم أو أغفلتهم كتبنا وصحفنا، وسطرت لدورهم وأبحاثهم العلمية الثرية وإبداعاتهم وحياتهم اليومية..وكأنها تعيد صياغة أدب المهجر بطريقتها الخاصة.

وعلى الصعيد السياسي، حاولت وتحاول كتابة التاريخ السياسي للمنطقة بحيادية ودقة عبر تدوين آراء وتجارب من عاشوه وشارك فيه، كما يحدث الآن مع محمد حسنين هيكل... أو عبر لقاءات خاصة مع أعلام ومفكرين وأدباء وشعراء وسجناء وزعماء سابقين .

ولم يتوقف الأمر عند الأشخاص، فالجزيرة تحقق الأحلام الفردية التي تكسرت أمام الحاجة لجهد مؤسسي، فهي تقوم حالياً بتدوين الذاكرة الجمعية لجاليات عربية كادت الغربة أن تمحيها تماما، عبر برامج وشهادات ولقاءات خاصة بأجيال جديدة، وما تبقى من القديمة، تعود بهم إلى أصولهم العربية.

وإلى رحلتهم الأولى، ومن ثم مراحل البناء والاستقرار والمشاركات التي ساهموا بها في تشييد حضارات الدول التي استقروا فيها.. وإن كانت البداية في عرب أميركا اللاتينية، فنأمل أن تكون هناك أرشفة للذاكرة الجمعية لمن تبقى من الفلسطينيين الذين هُجّروا في عام 1948 لأنه بعد عشر سنوات على الأكثر، لن يبقى منهم من يتذكر مكان مولده.

mah7z@hotmail.com