«قالت.. وكان الفجر يوشك، والظلال
ما تبقى من رداء الليل: أنا امرأة من أعالي الضياء، انحدرت بهذه المقاطع الحارقة والنشيد المفتون بالخصب والترقب والغياب.. ابتدأت الشاعرة المثابرة حمدة خميس.. مجموعتها الشعرية الجديدة «في بهو النساء» ولا شك أن الهتاف السرمدي الذي يعلو ثنايا النص لهو يؤثث لفتنة من نوع ما.. فتنة قد تتجاوز حدود النص ومدى تفاعله الدلالي على صعيد الخطاب والمنطلق الفكري الذي انطلقت منه الشاعرة..«إن الخطاب الذي تكسوه غربة ضارية وهو ينغمر في خضم هذه الحياة المستعرة بالحزن ليتطلب جهداً إبداعياً مميزاً.. فالحياة تلقي علينا كل لحظة بحلم جديد في نشوة ما أو فزعاً جديداً من خيبة ما، سرعان ما تكثف من قشرة العزلة التي تغلف أرواحنا المأزومة في البعد والعزلة والاغتراب..فحين نتأمل الكائن البشري الغارق في الأنا والسمو، فإن هذا السمو له حضوره الإنساني على صعيد الخطاب، وبهذا الفعل الداخلي فإن الكائن البشري يتمرد فوق وجوده حتى يستطيع أن يختبر كينونته وذلك من خلال وضع مسافة ما في قيمة ما تتناغم فيما بينه وبين مفاتن الوعي، فالذات الواعية تنطلق من نفس معرفي واع..
والذات التي تعي الوجود تدرك في ذات الوقت أنها ذات للمعرفة بوصفها حالة موضوعية.. ليطل عليها بعد ذلك فعل التنقيب في ذاكرة الوعي والاكتشاف الذي «يفجر فعل الدهشة تجاه المألوف».
وفي نفس القصيدة تقول الشاعرة حمدة خميس
(وقالت
إني أؤسس للضحى منذ احتلام الوقت
وأكن أحلام الغبش بين السريرة والسرير
وأدعي: لا ضوء يخترق الضباب من أول الماء
حتى منتهى العشب..
ولم أرني غير متئد يرث الحنين
ويشتهي والنجم في مسراي تيه الغيب)
إن الإبداع الشعري المتمثل في وحدة النص هنا، عمل مشغول في فضاء اللغة، ولكي تنتقل حين تحققها من الممكن والمحتمل إلى المتعين في الوجود، لابد أن تكون ناتجة عن فتنة ما.. نهضت من تلك الإرادة الحرة للإنسان القادرة على الحلم في حالة اليقظة وغيرها.. بحيث تمتلك الوعي بالحرية حين ينطلق من أفق الضرورة.
والإرادة حين تمارس فعل الحرية تعيد ترتيب عناصر الوجود لتتملكه، تنصهر معه، تتشرب منه وإليه، ثم تتقد بفعل إرادي يخلق تلك الضفاف الحالمة على إنتاج القصيدة.. وفي ذلك يقول الناقد البحريني جعفر حسن «إن اللغة كائن طوعي بالنسبة للشاعر يشتغل عليه.
وبالرغم من ذلك فإن قابلية اللغة وطواعيتها للإبداع، لابد أن تسبر مرات عديدة من خلال الوعي الذي يخرج على صرامة المنطق المألوف للغة بفعل الإرادة المدركة للحرية حتى تتعرف تلك الذات على الإمكانية الكامنة في اللغة للتشكل المستمر ضمن قوانينها الخاصة غير المستنفذة.
وتكشف قابليتها غير المكتشفة على تكوين صيغ جديدة في أفق الصورة الشعرية» تساعد في بلورة النص الشعري وتتيح له تلك الرؤى والاستبصارات التي تهيكل القصيدة وتمنحها ملح العافية الذي يقودها إلى جسد الكتابة الواعية..
وتقول الشاعرة في نفس شعري واع تكسوه مخيلة حالمة..
وقالت
ربما شردني التوق
وأضناني الحنين
غير أني ما انحنيتُ
في اشتداد العتم حدقت
فأبصرت .. وأدركت بأني:
كلما آويت إلى نفسي اكتنزت
كلما أسلمت للروح قيادي، أسلستني
ورأيت الكون في هيئته قلبي .. فانصهرت
ولا شك أن هذه القصيدة المحكمة لا تستمد ثراءها الدلالي أو الفني من لغتها فقط.. بل في تضامن النص بمجمله للإفصاح عن مفاتيح دلالاته، إفصاحاً حسياً واعياً يقوم فيه السرد بإشعال شرارة الشعر لتندلع بعد ذلك تلك اللغة في البحث عن مفاتن الخطاب والوصول عبر بنية السرد إلى ضفاف القصيدة..
وفي ذلك يقول الناقد الدكتور علي جعفر العلاق في كتابه الدلالة المرئية إن النص الشعري المحكم لا يبوح بدلالته بيسر دائماً، فلابد إذن من ملامسة تفاصيله واكتشاف ما يشد عناصره من علاقات ووشائج تساعد، مجتمعة، على الكشف تركيبيا وإيقاعيا وأسلوباً عن دلالته، أعني أن دلالة القصيدة هنا لا تنفصل عن جسد النص .
ولا تقع خارجه أو بعيدة عنه بل هي دلالة مرئية أحياناً تتشكل من خلال الشكل الفيزيائي للنص.. ترشح من مائه وتفوح من التحام مكوناته وتشابكها، أي أن هذه الدلالة لا تنبثق إلا من خلال علاقة التجسيد المتبادلة بين رؤيا النص وبنيته اللغوية،.. لتبقى الشاعرة المثابرة حمدة خميس وفي تنقيبها المستمر عن الحلم لصوت يستطيع أن يبعثر في وريد الكتابة فتنة من نوع ما.. فتنة تمنحها في بهوها النسوي مسارات الحقيقة والدفء والهطول.
قاسم سعودي

