بداية لابد من التأكيد على وجود حرص واهتمام متواصلين من قبل القائمين على الشأن الثقافي عامة، والفن التشكيلي خاصة، في إمارة الشارقة، يتجليان في الدعم المادي والمعنوي الذي من تمظهراته إنشاء كلية للفنون الجميلة.

وفتح المجال أمام الطلبة الخريجين في الدفعة الأولى للتعبير عما تعلموه خلال أربع سنوات من جهة، وعما بداخلهم من أفكار وموضوعات ابداعية من جهة ثانية.. لكن اللافت في معرض «مخرج» ان ثمة ارباكا وضحالة، لا يتناسبان مع ما نعرفه عن كليات الفنون الجميلة ومشاريع تخرجها، ولا يتناسبان مع هذا الدعم وتلك الاهتمامات فأين يكمن السبب في ذلك؟ هل في الطلبة أم في المدرسين أم في المنهاج؟ وهل عدم وجود تخصص أضفى هذا الأرباك وهذا التشتت، وهذا البعد بين أفكار الخريج ونتاجه؟

هشام المظلوم مدير إدارة الفنون في دائرة الثقافة والإعلام، وعضو مجلس الكلية الاستشاري، يقول: تأسست الكلية بتوجيهات من صاحب السمو الشيخ الدكتور سلطان بن محمد القاسمي عضو المجلس الأعلى حاكم الشارقة بالتعاون مع الأكاديمية البريطانية للفنون. وهذه الكلية الوحيدة في الخليج العربي، لابد ان تتعامل مع المجتمع الخليجي بتخصصات عدة، لكن اللجنة الاستشارية التي تشكلت من الأكاديمية البريطانية للفنون والتعليم العالي وإدارة الفنون بدائرة الثقافة والإعلام، ستستكمل الجزء الأخير للمبنى التخصصي: نحت، خزف، تصوير، الخ. فبعد سنتين سيكون هناك تخصصات وستفرض الكلية نفسها.

والنقطة الثانية ـ يضيف مظلوم ـ اننا حاولنا من خلال الفنانين والمعارض المشاركين ان نجلب أهم الخبرات بإقامة الورش، ومن خلال الجانب البرامجي والفعاليات هناك ما يعوض عن التخصص، وهو التنوع، وفي المعرض نلاحظ التأثير الواضح ببينالي الشارقة، فلا يوجد طرح تقليدي، ويوجد تنوع في الموضوعات، وتعامل مميز مع التقنيات.

من جانبهم أجمع كل الطلبة الخريجين على أنه لا توجد تخصصات في الكلية. وأكدت الخريجة ايمان السيد انها تحب فرع النحت، ولأنه لا توجد في الكلية تخصصات، بل ما يمكن تسميته بالتركيز، ركزت بمساعدة استاذي على فرع النحت وأقدم في المعرض انتاجاً في هذا المجال..

وأثنت إناس أبوسيدو على كلام زميلتها، وأضافت انها أوجدت هي نفسها تخصص «فاشن ديزاين» واشتغلت على التاريخ حتى شاهدت «ستايل» معين عند الفنان «ارثي» وصورت أعماله الكلاسيكية، وقامت بطباعتها على القماش الحريري بعد تغييرها كما تريد على الفوتوشوب والتقنيات الأخرى.

الموهبة أولاً

ان كلية الفنون هي الكلية الوحيدة التي لا تحتاج إلى مجموع علامات في الثانوية العامة، ولا علاقة لها بالفرع العلمي أو الأدبي، تحتاج فقط إلى الموهبة وخاصة موهبة الرسم، وهذا لا يعني انه لا توجد ابداعات أخرى، ولكن التقنية لا تحتاج إلى مجرد أفكار، بل إلى شغل أيضاً وجهد مكثف.

ويبدو ان هذا المعرض الذي غابت عنه تقريباً «اللوحة المعلقة» لا يشكل أكثر من امتحان للقبول في الكلية عند بعض الطلبة، ويمكننا ارجاع السبب الرئيسي في ذلك إلى ظاهرة استفحلت عند الأجيال الشابة في هذه الأيام، وزاد من استفحالها ما يسمى بالحداثة وما بعدها.

وتكمن تلك الظاهرة في الاعتماد على التراكمات الذهنية دون الاعتماد على الفعل الإبداعي، ولا يحدث ذلك في الرسم فحسب، بل في أغلب الأجناس الأدبية والفنية، فثمة فعل إبداعي يتراكم أثناء الشغل، يضيف على الفكرة أفكاراً جديدة وعلى الجهد الذهني معطيات واقعية وموضوعية تقرب المبدع من انتاجه والانتاج من الناس من حراكهم وشغلهم..

ولأن هذا الفعل الإبداعي يحتاج إلى الكثير من الجهد والكثير من الموهبة، صار في زمن الاستسهال ضعيفاً أمام سيطرة الفكرة الذهنية وطغيان ثقافة الصورة..

ويمكن للمشاهد لمعرض «مخرج» ان يلاحظ ذلك بوضوح، ويتأكد تماماً من ملاحظاته من خلال حواره مع الطلبة الخريجين، فهم يمتلكون أفكاراً رائعة وعظيمة لكنها أكبر بكثير من أعمالهم، بل وتنفصل أحياناً عنها.

نورا أديب تشغل أعمالها ثلاث غرف في المتحف، وعنوان تلك الأعمال كما تقول هو المرأة والإعلام، وكيف تتأثر المرأة بالموضة ومحاولاتها الدائمة لتغيير شكلها، والتناقض في شخصية المرأة وإشكالية الخضوع والمطالبة بالحقوق، ومن ثم كيف صارت باربي هي المثل الأعلى للمرأة؟

كل هذا عبرت عنه أديب باستغلال التقنيات المتوفرة في الحفر والطباعة لتقوم بتغيير صورة شخصية لها، مجرد صورة شخصية بألوان وملامح متغيرة تعبر عن كل تلك الأفكار، وتضع فتاة تمثل باربي في صندوق لا يتناسب جسدها أساساً مع شكل باربي، ولا تترك إلا تساؤلاً عن هذا الإرهاق الذي ستسببه تلك الوقفة الطويلة للفتاة المصندقة.

أحمد اللحام تشغل أعماله أربع غرف، يقول عن مواضيعه انها تناقش القيادة والتبعية عند الناس.. وعلم التصفيق، وكيف ان الكبار يتقاسمون هذه الدنيا والضحية هم الصغار، وكيف يمكن للإنسان أن يأكل لحم أخيه الإنسان.. الخ.

ولكن كيف عبر اللحام عن أفكاره تلك؟ في الغرفة الأولى عشاء سياسي وهو مأخوذ عن لوحة العشاء الاخير المتكررة في اعمال محلية وعالمية كثيرة، وفي الثانية شريط فيديو لشخص يخطب والناس تصفق له وهذه الشخصية «هرطق» مخترع من أجلها علم التصفيق.

ووزع اللحام «بروشورات» تعرف بهذا العلم.. الغرفة الثالثة الشخص ذاته هرطق أي فيديو آرت اللحام نفسه بأكل لحم إنسان آخر، والغرفة الرابعة صور بالرسم لمدينة يحدث بها انقلاب سياسي ولعبة إعلامية وإجرامية.. الخ عبر صور بين الكاريكاتيرية والحقيقية تشبه صور قصص الأطفال أو اليافعين..

مباشرة فجة

لا يوجد فصل أو ابتعاد بين أفكار الطلبة ونتاجاتهم وحسب، بل ثمة تغيرات مباشرة وفجة أيضاً عن بعض تلك الأفكار، فأحمد اللحام في تصويره، عبر فن «الباروك» الأوروبي، لبشاعة أكل الإنسان لأخيه الإنسان يظهر قدراً كبيراً من التقزز والمباشرة، يبررها ذهنيا بأنها امتحان للمشاهد على قدرته على تحمل هذا المنظر.

ويطلق أيضاً على العمل اسم «مشاهد من ممارستك اليومية»، ويعبر عن التبعية بأبسط اشكالها وهو التصفيق، ويفلسف ذلك أيضاً بوجود شخصية اسمها «هرطق» ويخترع لها علماً قائماً بذاته وهو علم التصفيق ويكلف أشخاصاً بتوزيع «بروشورات» عن كيفية فعل ذلك؟

ولا تتوقف المباشرة في الآرت فيديو أو التصوير أو الحفر، بل في الرسم بالفراغ أيضاً، ونجد ذلك عند إيمان السيد التي عبرت بالمكعبات الكبيرة عن السياسات الكبرى وعلقت بها شخصاً مصنوعاً من الأسلاك الحديدية وأيضاً بالجنازير.

وكما تقول فإن مصدر الإلهام الأول كان سجن أبو غريب، وحاولت ان تعبر عن الإيذاء الجسدي، وعن المعاناة العربية والإسلامية من الدول الكبرى وخاصة أميركا.

ورغم ان سارة أيوب آغا هي الوحيدة التي عبرت عن أفكارها بالرسم، لكن حديثها عن عمليات التجميل أعطى لتلك اللوحات مباشرة وفجاجة وخاصة حين ربطت اللوحة بضغط الإعلام على المرأة كي تكون المرأة المثالية .

وكيف لا يمكنها أبداً ان تكون ذلك، ولكن الصور التي نرسمها هي نفس ملامحها، وان كان هناك بسابقة في التعامل مع الأكريليك على الخشب.. وأيضاً تتجسد المباشرة في المرأة التي تتقيء من أجل الحفاظ على جسدها أو نقوم بشفط الدهون أو ما إلى ذلك من ترهات هذا العصر.

وفي المحصلة لابد ان نقول ان الاستطلاع لم يشمل الجميع وهذا لايعني ان مريم الغرير خارج عما قيل في القراءة النقديةانها التجربة الأولى، ولكن هذا المعرض يجب ان يدفعنا أولاً لنقول للطلبة توقفوا فأنتم في بداية البداية.. وان نقول للقائمين على هذه الصروح الثقافية ان ثمة أسئلة أكاديمية وفنية تبحث عن اجابات عملية.

وان في المعرض بعض اللفتات رغم بساطة التناول فكرياً أم تقنياً، والمثال الأوضح ما قامت به ساميا جابر من تسجيل شهادات مؤلمة على لسان أطفال مخيم الأمعري.. وهي صور من صور معاناة الشعب الفلسطيني جراء النكبات والنكسات والهزائم.

محمود أبو حامد: