يا الله..!/ كم هو صغير هذا المدى..!/ كم هو فارغ هذا القلب..!/ إلا من عاطفة تجنَ بها امرأة شرقية تعيش على أطلال مدينة ميتة..!؟

لم تكن الشاعرة الإماراتية «جميلة الرويحي» بحاجة لهذا البوح، لتشي لنا بهواجسها وأحلامها، فقد أسرَت لنا في أمسية توقيع مجموعتها الشعرية الجديدة «امرأة الرمل»، بكلمات ستبقى ما بقي الشعر النابع من وجدان امرأة خبرت الرمل وما يخفي.

كما خبرت النفس البشرية الحزينة على ضياع كل ما هو جميل ومبدع، فاختارات لقصائدها عناوين انداحت عبر حروف تراصت واصطفت ولجة من «صخب الصمت» و«غناء السحب» و «محاكاة الرموش» على «أرجوحة الوهم» التي توصل إلى «فرقد القلب» و«عذابات الروح».

وإذا كان الوطن هاجساً يقض مضجعها ليل نهار، فهي لم تنس «شيخ الشهداء» بوجهه الملائكي وهو يطلَ من كرسيه على عالم يحب الوقوف دائماً للصغار، فهي تناديه وهو يتلفلف بصلاة الفجر لائذاً بحمى الرحمن، صامتاً وقد خلفَنا للشتات المرَ والدموع السَخينة والسخيَة، بعد أن تحول دمه إلى غيمات عطر في وطن شريد، معذب بأبنائه، ينادي على الدوام يا ثرى الأوفياء في تل الزعتر وكروم نابلس وحيفا وغزة وجنين والأقصى والقدس الشريف، ولكن لا من مجيب..؟!

عذاباتها، روح شعرت وكأنها فقدت حروفها بعد أن ابتلعها الصدى، فاعتصرت الأوردة وقد أضحى الدفاع عن الوطن قلادة للمناسبات وما أكثرها، ما جعلها تصرخ بألم تنادي فيه عصافير القلوب، وظلمة الذكريات والحنين، متدثرة بالحزن.

وهي تعلن على لسان كل امرأة، أنها أنشودة تكسرت على فم الزمن، وقيثارة نسيَها إنسان، كما هي لوحة باهتة دون «ولد» تناغيه وتناجيه وقد حملته يداها وسهرت عليه عيناها، فصار ألماً بعد أن كان أملاً وحلماً ونوراً.

في قصائد المجموعة، شجن يحاكي كل عذبات البشر ومسراتهم، وبوح يشعل أوار الروح، تاركاً أحزاننا على أعجاز النخيل ثكلى بمئات الأسئلة التي تتقاسمها رمال أيامنا العجاف.

حيث لا ليل ماطر ولا طيف ساحر، يؤرقنا وينسينا أننا في سراب النور وسط الصحراء، نفترش غطاء النسيان علَنا ننسى المواجع والأشواق، ونباتات الأرض من الشيح والقيصوم والزعتر والسنديان والبلوط والصنوبر.. فاكهة الأرض التي نحتت تاريخها في صخور الزمن، تاركة نفوسنا عطشى لصخب الصمت وصهوة البكاء في محارب الأيام الخوالي..

وهي قبل كل شيء دعوة للحب المزنَر بالفل والياسمين، ترشها شاعرة مبدعة حركت كلماتها المواجع والآلام، حتى كدنا ننسى الشعر الجميل المؤثر، وخلنا أن الرمل لا يمكن أن تنبت فيه الزهور.. ربما هي بداية مواسم الربيع المتدفق من شاعرة تحاكي طموحاتها النجوم الخضر .

والقناديل التي لا تنطفيء في قلوبنا العطشى للفن والإبداع الهادئ الرزين. رباه../ سأغتسل طهراً/ وسط الأحداق/ ودموع القمر../ كي أنهض نخلة/ تمطر الكون جمالاً واخضراراً/ وخيرا/ يقاوم شح السنين..

alomawi@albayan.ae