يتفق غالبية الباحثين في شؤون وشجون الفن التشكيلي السوري المعاصر، على أن الفنان ميشيل كرشة شكل نقطة تحول مهمة ومفصلية، في مسيرة هذا التشكيل، لناحية تجديده في الأسلوب والصياغة، وخروجه عن الكلاسيكية الأكاديمية التي كانت سائدة ومسيطرة على أساليب رواد هذا التشكيل أمثال: توفيق طارق، عبدالوهاب أبوالسعود، سعيد تحسين.. وغيرهم.

بدأ الفنان كرشة تجربته الفنية بالواقعية المختزلة المتماهية بالانطباعية التي يعتبر رائدها الأول في سوريا. أواخر حياته مطالع سبعينات القرن الماضي، وصلت هذه التجربة إلى البرزخ الفاصل بين التشخيص والتجريد.

جانب مهم من تجربة ميشيل كرشة الطويلة، احتضنه معرضه الاستعادي الذي أقيم مؤخراً في صالة الفن الحديث بمتحف دمشق الوطني وضم 189 لوحة متعددة التقانات والقياسات والمواضيع، تعود لأكثر من مرحلة في حياته.

ولد الفنان كرشة في حي القيمرية بدمشق عام 1900. تلمس الدرب إلى الفن مبكراً. مارسه مع الرواد الأوائل، ثم درسه أكاديمياً في المدرسة العليا للفنون الجميلة بالعاصمة الفرنسية باريس ما بين عامي 1923 و1925. بعد عودته إلى سوريا عمل مدرساً لمادة التربية الفنية في ثانويات ومعاهد دمشق، وفي العام 1949 تفرغ كلياً لإنتاج الفن. صمم العديد من الطوابع البريدية السورية خلال عشرينات وثلاثينات وخمسينات القرن الماضي.

تتميز تجربة الفنان كرشة بجملة من الخصائص والمقومات أبرزها اعتماده على اللمسة اللونية العفوية في إنجاز لوحته، وعدم إلحاحه على تأكيد هيكلية العناصر والهيئات.

وشغفه الشديد بالموضوعات الريفية (خاصة ريف دمشق) وحياة البدو، والآثار، وكان يتعمد إشباع لمسته اللونية بالضوء المشرق، ليعكس من خلاله طقس بلاده، وخصائص بيئته المتفردة. وحول هذا الأمر يقول: «يمكن لمشاهد لوحاتي ان يعرف، من دون أية صعوبة، فيما إذا رسمت اللوحة في سوريا أو في فرنسا أو غيرها».

انحاز ميشيل كرشة منذ البداية إلى التجديد، وحرية التفكير والتعبير، وإلى الانطباعية كمدرسة واتجاه، وجد فيها ما يلبي طموحه وميوله، وتعبر خير تعبير عن عواطفه وأحاسيسه، بل لقد اعتبرها خير حاضن لأحاسيس ومشاعر الفنان أي فنان.

يقول كرشة: «كنت منذ صغري خيالياً، أتصور أشياء وأشياء في الطبيعة، وأزيد عليها ما يعجبني، وأحذف ما لا يعجبني». ولأنه كان يحمل هذه الرؤية العفوية، الحرة الرحبة، جاءت تجربته الفنية مواكبة لها، مشكلة انعطافه مفصلية في انطلاقة الحركة التشكيلية السورية المعاصرة، رغم الاعتراض الشديد الذي جوبه به من قبل زملائه الكلاسيكيين.