في البدء قامت الرواية العربية على شقين (الحدث) أو الفعل، و(الفاعل)، ومن ثم أصبح للمكان مسمى مثل «بين القصرين أو زقاق المدق أو السكرية» وما إلى ذلك من أماكن كانت عنواناً لرواياتنا في مصر والعالم العربي..

والأحداث التي تقع على مسرح «بين القصرين » مثلاً، لو تم نقلها إلى مكان آخر فلن يصيبها التغيير بالعطب ولن يتغير سلوك فاعليها، حيث يصبح المكان مجرد اسم، أما الفاعل فهو «السيد» أو «الزوجة»، فقط المكان هو العنوان المشار إليه. وبعد تطور فن القصة أصبح المكان جزءاً رئيسياً من النسيج القصصي والروائي، داخل تكوين السياق العام، فحينما تشرق الشمس يجب أن تشرق ـ بشكل خاص ـ على هذا المكان.

وبالطبع نحن لم نخترع هذا، ولكن هناك من وصل إلى هذا المعنى قبلنا، وصلوا إليه مثلاً في «جسر على نهر درينا»، وفي «أمسيات قرب قرية ديكانكا»، وفى الأدب العربي الحديث كان المكان بطلاً ولكن نستطيع بفصل نقدي أن نعزله بينما الأحداث تحتفظ بسريانها.

وقد يأتي المكان كعامل مساعد ولكنه ضروري لاستكمال العمل الإبداعي، وفي كل الأحوال فالمكان يبرز خصوصية المبدع وخصوصية العمل، فماذا قال الكتاب والنقاد عن المكان في أدبنا المعاصر ؟

جغرافياً جيدة

يقول الروائي محمد المنسي قنديل : أؤمن دائما أن الأدب الجيد جغرافيا جيدة، وما لم تستطع أن تعرف المكان الذي ستدور فيه روايتك، لن تستطيع أن تعرف حدود شخصياتك، ذلك أن الإنسان يتشكل بالبيئة المحيطة به.

وليس بالضرورة أن يكون المكان الموجود في العمل الفني هو ذلك الموجود في الواقع، فالقاهرة في أدب نجيب محفوظ قاهرة مليئة بالضباب، والحواري فيها معتمة، مليئة بأشخاص غير موجودين حالياً، مثل الفتوات والحرافيش والدراويش، فهو شيء مختلف تماماً عن القاهرة التي تسطيع فيها الشمس كل يوم، والتي تجدها في الواقع.

ولكن أعتقد أن قاهرة نجيب محفوظ أكثر واقعية، وهذا يدلنا على القيمة الفنية للمكان، وكيف يمكن أن تفوق القيمة الواقعية له، فمنذ أن كتب الكاتب الإنجليزي سونيت «جيلفر في بلاد الأقزام»، أدرك كل كاتب أنه يجب أن يكون له عالمه الخاص به وأن عليه أن يضع حدوداً لهذا العالم وهذه الأرض.

الأماكن بأسمائها

أما الروائي يوسف القعيد فيقول: ما إن أبدأ القراءة وأكتشف أن المكان غير محدد، أو افتراضي، حتى تقل سعادتي إلى النصف، لأنني أعتقد أن النص الروائي يقدم بشراً يتحركون في زمان معلوم ومكان محدد، والخروج عن أحد هذين العنصرين يفقد النص الروائي ركيزة أساسية.

لقد تطلعت إلى رسم ما أسميه «بجمهوريتي الخاصة»، سواء من خلال قصة «البيات الشتوي» أو من خلال أعمال أخرى.. إن ما كتب عن المكان نادر إلى أن جاء «غالب هلسا» بعد سنوات طويلة، وترجم كتاب (بلا شار) عن المكان في الرواية وكتاب «نحو رواية جديدة».

دراسات عديدة القاص والروائي إبراهيم عبدالمجيد يقول : لقد قرأت العديد من الدراسات حول أهمية ودور المكان وكذلك خصائصه، كما ورد في الأدب الأجنبي، ولكنني لم أقرأ حتى الآن دراسة وافية ومعقولة حول خصائص المكان في الأدب العربي، على الرغم من فاعلية المكان في الرواية، فبدونه يفقد الزمان فاعليته.

كما لم أقرأ دراسة تبرز شخصية المكان، حيث الأحلام والأساطير والمواقف، والسؤال: أين نجد المكان على هذه الصورة ؟ إن هذا المكان موجود في بعض الأعمال التي تنتقي الأجواء الأسطورية أو الشعبية وأجواء الحكمة القديمة مثل «الماجوس» أو «الريش» أو «مدن الملح».

لا زمان بلا مكان

الناقد د. مدحت الجيار: يرى أنه لابد أن نتفق أنه لا زمان بلا مكان، والإبداع هو كل زمان يتحرك فيه شخص ما في مكان ما.. إذن فالمكان شرط إبداعي ولكن في بعض الأحيان يتحول المكان إلى بطل ونموذج.

ونمط وإلا فلماذا يسمي نجيب محفوظ «زقاق المدق» خان الخليلي «بين القصرين» إلى غير ذلك، إلا لأن هذه الأماكن هي بطل يقف في مواجهة التحديات الجديدة، ولذا فإن التنبه للمكان يعني في جوهره التنبه للزمان، ولعل من بين الأعمال التي تتمتع بخصوصية شديدة في أماكنها «فساد الأمكنة» لصبري موسى، و«عطفة خوخة» و«قهوة المواردي» و«مالك الحزين» و«ديروط الشريف».

ويضيف الناقد عبدالعزيز موافي أن الموروث العربي السلفي يقول إن الإنسان العربي يتواجد في الزمان ولا يتواجد في المكان، فالعربي - بطبيعته - تراثه النفسي بأكمله هو تراث ترحالي، المكان بالنسبة له طلل، وليس مكوناً يتواجد فيه، وعلى هذا الأساس فالمكان في التراث العربي هو مكان يوجد بالصدفة لا بالضرورة..

والذي يوجد بالضرورة هو الزمن والدهر، هذه نقطة أولى ومقدمة ضرورية تؤدي بنا إلى أنه على مستوى العالم العربي بشكل عام والمصري بشكل خاص، لم يحتفِ أحد بالمكان باعتباره عنصراً مهيمناً على العمل الروائي كما احتفى به كل من نجيب محفوظ وإبراهيم أصلان. القاص والروائي سعيد الكفراوي يقول : يشكل المكان في أي كتابة جادة عنصراً أساسياً من حيث الرؤية الفنية والبناء الفني ( قصصي أو روائي ).

وأعتقد أنه بإمكاننا إدراك معنيً ما، إذا قُدِّم لنا المكان في زمانه لتحقيق هذا المعني، إن وعينا دائما يطوف بالأمكنة التي انحدرنا منها، وذكرياتنا بهذه الأمكنة تظل حية بدرجة ما حتى أنه في كل الظروف ـ ورغم البعد عنها ـ إلا أن آليات هذه الأماكن تتفاعل بداخلنا كلما وجدت أي إحالة إلى أماكن أخرى مثلها أو بديلة عنها فتذكرنا على نحو ما بهذه الأماكن الخاصة بنا.

القاهرة ـ «البيان»: