افتتح سعيد بن بطي القبيسي عضو مجلس إدارة هيئة أبوظبي للثقافة والتراث يرافقه محمد خلف المزروعي مدير عام الهيئة؛ مساء أول من أمس في المجمع الثقافي، معرض المرسم الحر لعام 2006م، ويأتي المعرض الذي يشارك فيه أكثر من ثلاثين فناناً وفنانة، بعد غياب لمعارض المرسم الحر الكبيرة لعدة سنوات.

كلمة الافتتاح جاءت على لسان سعيد بن بطي القبيسي التي أكّد فيها دعم هيئة أبوظبي للثقافة والتراث للمواهب الفنية من طلاب دورات المرسم الحر، وأضاف:

يأتي هذا المعرض ضمن إطار النقلة النوعية التي يشهدها المجمع الثقافي في تطوير أدائه على المستوى الثقافي والفني، الذي يجيء تمشياً مع مسيرة النهضة التنموية التي تشهدها الدولة في ظل قيادتها الرشيدة والتوجيهات السامية لصاحب السمو الشيخ خليفة بن زايد آل نهيان رئيس الدولة.

فيما أكّدت كلمة إدارة المرسم الحر على تشجيع نخبة الطلاب المشاركين في المعرض، باعتبارها المرة الأولى التي يحظون فيها بهذه المشاركة، ليكون هذا المعرض السنوي بمثابة محطة جديدة لتعريف عشاق الفن ورواده بالمستوى الرفيع الذي حققه طلاب وطالبات دورات الرسم، وجاء في الكلمة:

يتطلع المرسم الحر إلى توفير كل الإمكانيات لتطوير عطاءاته تمشياً مع روح الحضارة النهضوية التي تشهدها الإمارات في ظل قيادتها الرشيدة التي تولي أهمية بالغة للفن والفنانين مع المحافظة على أصالة التراث والتعبير الخلاق عن ملامح العادات والتقاليد، لاستكمال مسيرة المجمع الثقافي بإذكاء جذوة الوعي الثقافي وتطوير حركة الفنون الإبداعية.

يطل معرض «المرسم الحر» هذه المرة ليقول إنه بوابة مشرعة في سماء الفن، وإن ريشة الفنان تحاكي الغموض الذي يكتنف الكون منذ نشأته الأولى، ورغم اختلاف التجارب الفنية في هذا المعرض؛ إلا أن الماضي.

والنسق التراثي في اللون والموضوع يبقى غالباً عليه، بل أن اللوحات التي تسعى للتحديث تبقى في ظلال ذلك الماضي والأمكنة الأزلية في عقلية الإنسان أينما حل، وهذا يذكرنا بمقولة «إدوارد توماس»:

ربما كان الماضي قد مات لكن رائحته لا تزال حلوة، أو مقولة «يونغ» التي تربط الصورة المتعلقة بالماضي وشغف الإنسان به حين يقول: لقد بدأنا ملائكة وها نحن الآن نتدلى مثل صندوق معلّق بخيط. وبأي صورة أراد لها فنانو هذا المعرض أن يقدموا أنفسهم بها للجمهور، فإن المرسم الحر بخطوته في إقامة هذا المعرض استطاع أن يجسد مفهوم المؤسسة الراعية للفن الحقيقي.

حين طالعنا لوحة الموهبة اللبنانية نوال نعيم، تذكرنا مقولة أم عبد الله الصغير -آخر ملوك الأندلس ـ حين قالت لابنها الذي بكى حين سلّم للأسبان: إبكِ مثل النساء ملكاً لم تحافظ عليه كالرجال. فلوحة نوال نعيم التي استوحتها من إحدى مناطق الأندلس تطوف بروح من التوق إلى فردوس العرب الضائع «الأندلس» .

واستطاعت فيها الفنانة أن تعيد شيئاً من الملامح المشرقة لتاريخ المكان، باستخدام مبدأ تلاقي الأضداد الفني في الظل والنور، تقول نوال عن تجربتها: بدأت دراسة الرسم بصورة منهجية قبل أربع سنوات، شاركت فيها بعدة دورات أقامها المرسم الحر.

وقد حاولت التنويع في استخدام التكنيك الفني وأسلوب الرسم، كي لا أتقيد بنمط واحد، وأشعر بالغبطة حالياً وأنا أشاهد لوحتي وهي تتوسط في حديقة اللوحات هذه باعتبارها المرة الأولى التي أشارك فيها بمعرض.

تجربة أخرى تستحق الحديث عنها هي تجربة إيمان علي التي دخلت بموهبتها السابقة إلى دورات المرسم الحر، حيث طوّرت هذه الموهبة وصقلتها من خلال السعي للكمال الفني، ويبدو تأثر إيمان واضحاً بأسلوب بعض الفنانين الإماراتيين المهمين من أمثال الفنان القدير عبد القادر الريس.

وقد تم اختيار عدة لوحات لهذه الفنانة للمشاركة في معرض الإمارات للفنون الذي سيقام في العاصمة الصينية بكين الشهر المقبل برعاية سفارة الإمارات هناك، عن تعلّقها بالتراث والأمكنة القديمة تقول إيمان:

أجد أن الألوان التي تبوح بها هذه الأمكنة تشكل جزءاً من روحي والحياة الحقيقية رغم أنها تعود إلى ماضٍ ربما تم نسيانه، بينما لا أجد روحاً أو معنيً للحياة المعاصرة أو الحديثة، حيث العلاقات غير واضحة بين الناس والأمكنة، والجماد والمادية تحيط بالإنسان لتحوله إلى آلة.

مثل إيمان علي؛ تنطلق نوال العامري للطواف مع روح الماضي، وهي تتعلق بالتراث والزمن القديم بصورة واضحة من خلال اللون والموضوع، ويمكن رؤية تجربتها بصورة أوضح في معرضها الشخصي الذي أقامته قبل فترة في المجمع الثقافي، لكن الاختلاف في أسلوبها الفني يتمثل بتبنيها أسلوباً واقعياً يستلهم التراث كعنصر رئيس في اللوحة.

تجارب أخرى احتضنها هذا المعرض المتميز؛ كتجربة الفنانة علياء السويدي التي أقامت معرضها الشخصي قبل سنتين في المجمع الثقافي، وتمثل لوحات «الخيول» النسبة الأغلب من نتاجها الفني، تقول علياء عن تعلقها بالخيل: أجد متعة واندهاشا حين يقع نظري على هذا الكائن الجميل.

وأجد أن الكمال الذي يسعى إليه كل فنان؛ يتمثل بالخيل، وتجذبني تقاطيع جسد الحصان العربي وعيونه وتفاصيل وجهه، وأرى أن الخيل تمثل جمالاً مطلقاً في جميع سكناتها وحركاتها.

يُشارك عبد الله عبد الرحمن؛ علياء السويدي في عشقه للخيل ورسمها، ولكنه ينحو في تجربته منحى آخر، فهو يبرز تفاصيل جسد الحصان من خلال قلم «الفحم» الذي أبدع فيه بصورة كبيرة في هذا المعرض، ورغم طلبات العديد من أصدقائه ومعارفه لرسم «بورتريهات» شخصية لهم؛ إلا أنه يبقى مشدوداً إلى رفيق العربي الأجمل في جميع لوحاته.

أبو ظبي ـ محمد الأنصاري: