منذ الصبا كنت أهوى الكتابة إلى جانب حبي للمسرح والفنون الأخرى، وكنت وزميل لي اسمه عصام نقضي بعض وقت فراغنا في التدريب على الكتابة في صحيفة يومية محلية، اسمها «الثغر« كانت تصدر في البصرة، وكنا لانزال طلبة لم نتجاوز مرحلة الثانوية العامة، و يرعانا صحافي قديم اسمه محسن البصري رحمه الله.
ذات يوم أعلن عن زيارة عبد الحليم حافظ ليقدم حفلاً غنائياً ضمن برنامج أضواء المدينة الذي كان يتنقل بين مدن الوطن العربي وعواصمه، وصادف أن يزور البصرة أيضاً الفنان المسرحي العراقي عبد الواحد طه.
جمعنا البصري أنا وزميلي عصام في مكتبه لإعداد حوارين لكل من حليم، وطه، وبالقرعة كان نصيبي أن أحاور عبد الواحد طه عن المسرح العراقي، بينما كانت الفرصة قد منحت إلى عصام لمقابلة العندليب الأسمر، الذي كان يتربع على عرش النجومية، والشهرة، شتان بين عبد الحليم حافظ وعبد الواحد طه، من حيث الشهرة والانتشار والنجومية.
بهدوء قابلت عبد الواحد طه في فندق على كورنيش شط العرب وصورته بكاميرا بسيطة كنت أحملها من نوع «كوداك بوكس» ونجحت في إعداد أسئلتي التي هي جزء من هواياتي الأساسية، وتأسيس شخصيتي.
هذا ما كان من أمري مع المسرحي عبد الواحد طه.أما ما كان من أمر زميلي عصام وضيفه المشهور المحبوب «حليم« فهي حكاية طريفة لم تنشر وأذكر تفاصيلها الآن.. لا أدري ما الذي يجعلني أذكرها على الرغم من مرور حوالي أربعة عقود.
استعد زميلي عصام لمقابلة حليم، نظف وكوى بدلته الوحيدة عند «اللوندري» واعتنى بربطة عنق استلفها من والده، وحمل معه رزمة من الأوراق، وكاميرا معلقة على الكتف استعارها من جارهم، وتوجه نحو فندق شط العرب في مطار البصرة الدولي القديم، مقابل جسر مود التاريخي على شط العرب،
وفي صالة الفندق فوجئ الصحافي الصبي بمئات المعجبات يحطن بالعندليب الأسمر، شق طريقه بصعوبة بالغة حتى وصل إلى حليم، صافحه، وعرفه على نفسه، والموعد الذي حددته الصحيفة معه، وبعد مجاملات سريعة بينهما بدأ الصحافي الصبي يوجه سؤاله الأول قائلا:
- يقال عنك أنك مغرور، ولا تعرف أن تمثل ؟
- قال حليم : مين اللي قال ؟
تلعثم الصبي وكرر سؤاله بشكل ببغاوي
ثار حليم بوجهه وصرخ به «هو أنت جاي تشتمني ولا تحاورني؟»، ولم يقل غير هذه الجملة بعصبية، إلا أن المحيطات بالنجم المحبوب تدخلن بشكل عاجل، ومسكن بتلابيب الصحافي المسكين وقدمن له درساً لم ينسه،
فقد خرج من المعركة دون كاميرته التي استعارها، وربطة والده ممزقة، والبدلة الأنيقة قد تلوثت بألوان مختلفة، ونجا زميلي بأعجوبة واستطاع بعض الحاضرين من إفلاته من أنياب وأظلاف الجنس اللطيف الذي لم يكن لطيفاً ولا ظريفاً.
عاد زميلي بخفي حنين، لا حوار ، ولا بدلة، ولا ربطة عنق، ولا كاميرا، لكنه تعلم درساً كبيراً في طبيعة صياغة السؤال مع النجوم وفي كيفية محاورة الآخر.
لم يدخل زميلي عصام معترك الصحافة، حاول عدة مرات، لكنه اختار حقلاً آخر، أما أنا فبقيت معلقاً بها من طرف، ولي أطراف أخرى معلقة مع فنون الكتابة والمسرح، إلا أن ما حدث لزميلي كان درساً لي أيضاً رغم نجاحي بحواري مع آخرين، بل تجربته أفادتني في حياتي الثقافية مع النجوم أينما كانوا.
abdulelah_q@hotmail.com