شهدت دار الأسد للثقافة والفنون بدمشق (دار الأوبرا) مساء أول من أمس، حفلا تأبينياً مهيباً اقامته وزارة الثقافة السورية للأديبين الكبيرين الراحلين الدكتور عبدالسلام العجيلي والشاعر محمد الماغوط بمشاركة د.رياض نعسان آغا وزير الثقافة السوري، والشاعر الفلسطيني محمود درويش، والشاعر اللبناني جوزيف حرب، وعدد من الأدباء السوريين وآل الأديبين الراحلين.

وقد بدأ الحفل بتلاوة آيات من الذكر الحكيم، تلا ذلك عزف لألحان موسيقية وداعية حزينة للراحلين وغناء لقصيدة «سلمية» شعر محمد الماغوط والحان محمد سعيد جرعتلي، فيما تخلل الحفل فيلمان تسجيليان قصيران عن بعض جوانب الحياة الإبداعية لكل من الماغوط والعجيلي وشهادات لكبار الفنانين والأدباء بالراحلين اللذين تجاوزا المحلية إلى العربية والعالمية.

من جهته ألقى د.رياض نعسان آغا، كلمة في ختام الحفل قال فيها: يظن الناس إننا لم نكن منتبهين إلى عطاءات كاتبينا ولكننا في الحقيقة كنا منتبهين إليهما منذ زمن بعيد، فالأديب عبد السلام العجيلي كان كبير عصبة الساخرين، كما كان وزيراً وعضواً في البرلمان السوري وربما فعل أمراً لم يسبقه إليه احد عندما ترك البرلمان ليلتحق بجيش الإنقاذ لتحرير فلسطين.

وتابع الوزير السوري قائلاً: والكاتب محمد الماغوط انتبهنا إليه منذ كتب مقالاته الأولى وقبل عامين تم تقليد الكاتبين الكبيرين العجيلى والماغوط وسام الاستحقاق السوري من الدرجة الأولى بتوجيه من الرئيس الأسد.

وقال د.نعسان آغا في ختام حديثه، أن الأدباء يولدون مرتين: مرة ساعة يولدون ومرة ساعة يرحلون ولا يمكنني القول هنا إلا أن هناك إحساساً بأن الأمة لا تستطيع أن تعوض العباقرة ولكن يبقى التفاؤل قائماً بالأجيال القادمة.

وكان الشاعر الفلسطيني الكبير محمود درويش قد ألقى كلمة في الحفل عبر فيها عن الحرج في الجمع بكلمة واحدة بين كبيرين شاءت أن تجمعهما في رحيل واحد.

وقال درويش: «ما أعرفه عن العجيلي انه قاتل في فلسطين وحدق إلى جرحها الذي مازال ينزف، العجيلي طبيب الجسد والروح وها هو يستقر في ذاكرتنا الثقافية واحداً من المبدعين العرب الذين وحدوا بين الإبداع والدفاع عن الحرية».

وعن الراحل الماغوط قال الشاعر الكبير، انه في أمسية غياب كهذه وفي المكان هذا كنا في العام الماضي ننثر ورد الحب على اسم الراحل ممدوح عدوان لم يحضر محمد الماغوط كاملا لعجز عكازه عن إسناد جبل لكنه حضر صورة شاحبة وصوتاً متهدجاً ليذكرنا بأن للوداع بقية.

وخلص الشاعر محمود درويش في نثره الفني الذي يوازي شعره جمالاً وصوراً إلى القول بأن سر الماغوط هو سر الموهبة الفطرية لقد عثر على كنوز الشعر في طين الحياة وهو الآن في غيابه اقل موتا منا وأكثر منا حياة.

أما الشاعر اللبناني جوزيف حرب فقد بدأ قصيدته بالقول:

بين قبرين أنا الآن/ سلاماً أيها القبران/ واستمر في النشيد/ مضيت وكان أدركني المساء/ فإذا العجيلي حي في كتاب/ افتح سألتك يا محمد/ تحت أجفاني يديك/ واجلس قليلاً قرب هذا الدمع/ كي ابكي عليك.

كما ألقى الشاعر نذير العظمة قصيدتي رثاء في الراحلين الكبيرين عبر فيهما عن مشاعر عميقة وإحساس كبير بفقدان علمين من أعلام الأدب العربي والإنساني وقال مخاطبا الأديب عبد السلام العجيلى في قصيدة بعنوان «مع الحروف نصلى»:

عبدالسلام العجيلي/ قل لى بربك قل لى/ ما للحياة إذا ما/ كبا الجواد المجلي.

وفى قصيدة بعنوان «كلمينا من الثرى» إلى الماغوط قال:

قم معي يا محمد الشعر أنشدني/ رويا تحنو عليه الرعاة/ وزنه النبض والقوافي جراح/ وقعت بصدقه الآهات.

وقال الأديب السوري وليد إخلاصي في كلمة له، إن الفقيدين محمد الماغوط وعبدالسلام العجيلى كانا قطبين تأكد حضورهما في حوالي قرن من عمر الثقافة السورية المعاصرة، واحتلا في عقود عديدة من العمر الإبداعي مراكز يمكن الإقرار بقيادتها المؤثرة، وإن التباين في طبيعة كل منهما يدل على طبيعة طيف الألوان الحيوية وفعاليته في حياكة النسيج الثقافي لسوريا والوطن العربي، مشيراً إلى أن حضور هذين المبدعين لم يقتصر على موطنهما الجغرافي بل تمدد في وطنهما العربي والعالم.

وقالت سلافه الماغوط ابنة الراحل الكبير في رسالة تليت في حفل التأبين: «كان يعري الكلمة من معناها العادي لتتفجر ببساطتها في كل الاتجاهات إبداعاً وشعراً، وسأحتفظ بحزني على رحيل أبى لنفسي كما تحتفظ الأرض بالمياه الجوفية».

وقالت ابنته د.شام في رسالة مماثلة: أبى الحبيب.. أحبك لأنك علمتني أن أطير ولو كان الزحف أسرع، وأن أتكلم ولو كان الصمت أسلم، وأن أحب ولو كانت الكراهية أسهل، علمتني أن أكون إنسانة أفضل وأجمل.. مع السلامة يا صديقي الأجمل وقامتي الأعلى.

وكان الماغوط قد بدأ كاتباً محلياً لكنه سرعان ما دخل كل بيوت العرب من خلال المسرح، وانتقل إلى العالمية في الشعر وعاش حياته مكرماً محاطاً بحب الناس.

وجاء تكريم الرئيس السوري له تعبيراً عن المكانة العالية التي ارتقى إليها الماغوط بإبداعه الذي يفخر به الأدب العربي الحديث، كما نال قبل وفاته بأسابيع جائزة سلطان العويس الثقافية التي تسلمها في حفل كبير في دبي.

كما كان العجيلى رائداً من رواد النهضة العربية، موسوعي الثقافة والمعرفة، حفظ التراث العربي والإسلامي وأغناه بمعارف العصر وعلومه، وعاش حياة مليئة بالعمل والإبداع، فكان أدبه صادقا صافيا عالج القضايا برؤية الطبيب الحكيم والمبدع الشفاف، ودخل قلوب الناس بتهذيبه الجم وخلقه الحي قبل أن يدخل إلى عقولهم بثقافته العالية وأدبه العميق الراقي.(سانا).