قالت الدكتورة فاطمة الصايغ ان المرأة في الخليج؛ ورغم بعض التمثيل النسبي والحقوق السياسية والاجتماعية التي حازتها بفضل نضالها الطويل؛ إلا انها -المرأة الخليجية- تظل دائما أقل من نظيراتها العربيات تأثرا بالحداثة.
كما أن الظروف المجتمعية التي تحيط بها تظل دائما أكثر عنفا وقسوة من تلك التي تحيط بالمرأة العربية بشكل عام، وأن المتتبع لهذا الموضوع يمكن أن يطرح تساؤلاً حول ما يحمله القرن الحادي والعشرون للمرأة في الخليج.
وهل تستطيع المرأة في الخليج التعايش مع كل هذه الحداثة المجتمعية الحاصلة حاليا وأن تخرج منها محققة لنفسها ومجتمعها فوائد جمة أم أنها سوف تكون اللاعب الغائب في لعبة الحداثة والتغيير؟
جاء ذلك في محاضرة «المرأة الخليجية وقيم الحداثة» التي ألقتها الدكتورة الصايغ في المجمع الثقافي في أبو ظبي مساء اول من أمس ، وقدمها فيها الدكتور عامر التميمي.
تطرقت المحاضِرة في البداية إلى تعريف مصطلح «الحداثة» فقالت: اختلف المثقفون على تعريف معنى الحداثة؛ فمنهم من يراه على أنه عكس الأصالة، ومنهم عرّفه على أنه التحديث Modernization أي تحديث الشيء القديم وإدخال التجديد عليه.
ومنهم من يراه على أنه التغيير الشامل والخروج عن المألوف، ولكننا كمجتمعات عربية دائما ننظر إلى الحداثة بأنها محاولة الارتقاء بأوضاعنا مع الإبقاء على الصالح منها أي المزج.
وبالتالي فإن هذه العملية تعنى في المجتمعات الشرقية عامة والعربية بشكل خاص، عملية المزج - مزج القديم بالجديد، فلم يحدث أبدا في مجتمع عربي بأن حدثت محاولات تجديد أو تحديث كلي، لأن المجتمعات العربية وتكوينها البنيوي لا تتوافق مع التغيير الكامل أو الشامل الذي يعنيه مصطلح الحداثة.
لذلك فسوف أتحدث هنا عن المرأة ومفهوم الحداثة من منطلق التفسير الذي قدمته وهو التغيير أو التحديث الجزئي مع الإبقاء على الروابط القديمة التي تشد المجتمع العربي إلى بعضه البعض.
أشارت فاطمة الصايغ إلى أن المرأة العربية مختلفة في تعاملها مع عناصر الحداثة عن المرأة الغربية، لأن المرأة العربية -بحسب قول المحاضرة- حين تأخذ عنصراً من عناصر الحداثة تأخذ منه بعد تمعن شديد ودراسة متأنية لما سوف يجلبه هذا العنصر ليس فقط عليها كفرد ولكن على المجتمع الصغير المحيط بها.
وأضافت: تعتبر علاقة المرأة بالحداثة بكل جوانبها وأبعادها كالبعد الثقافي والاجتماعي والاقتصادي والديني والنفسي هي قضية تثير جدلا في العالم ككل منذ ظهور الحركات النسوية.
وتطورها في بدايات القرن العشرين، أما في الخليج فيمكن اعتبار فترة الخمسينات من القرن العشرين هي الفترة التي شهدت بدايات الحركة النسوية، وقد تجلى هذا الاهتمام النسوي في حركة نسائية مطالبة ببعض الحقوق النسوية في الكويت والبحرين.
واتخذت هذه المطالب منذ البدء أشكالا تنظيمية تبلورت في الخمسينات والستينات في المنظمات النسوية الخليجية في كل من البحرين والكويت وبعد ذلك الإمارات وعمان والتي طالبت بدور أكبر للمرأة في العمل وفي الحياة السياسية وفي التشريعات القانونية.
أما خلال النصف الثاني من القرن العشرين -والحديث مازال للدكتورة فاطمة الصايغ- تطورت هذه القضية تطورا كبيرا أدى في النهاية إلى ما يمكن أن نسميه «ثورة فكرية في مجتمعات الخليج» فيما يخص وضع المرأة وإن لم يحمل المساواة التامة التي تطالب بها المرأة على مستوى العالم.
ولكن هذه الثورة الفكرية واكبها أيضا ثورة أخرى وهي الناتجة بفعل البروز القوى لبعض التيارات «الإسلاموية» الأمر الذي جمد في بعض الدول، وأخّر في البعض الآخر قضية البت بقضية «حقوق المرأة» مضيفا بعض الشرعية الدينية على حالتي التمييز واللاحقوقية.
حول علاقة المرأة بالثقافة في منطقة الخليج وبدء التحديث كان المحور الأول الذي ناقشته فاطمة الصايغ ضمن عدة محاور تتصل بموضوع المحاضرة، ولفهم طبيعة هذه العلاقة قدّمت المحاضرة «نماذج نسوية إماراتية» كمقياس للعلاقة بالثقافة في المنطقة، فأتت على ذكر شاعرات الإمارات وأديباتها في مرحلة سابقة لظهور المؤسسات الثقافية والعلمية في الدولة.
ومنهن: الشاعرة «منوه» التي كان لها حضور واضح في مجالس الشعر، وعلياء بنت حميد التي افتتحت أول مدرسة في رأس الخيمة، وتأثير بعض نساء الطبقة الحاكمة في اتخاذ القرارات السياسية؛ كالشيخة حصة بنت المر زوجة الشيخ سعيد بن مكتوم التي وصفها المقيم البريطاني في الخليج بأنها أقوى شخصية في منطقة الساحل، وشبهها بالامبراطورة الروسية «كاترين».
وكذلك برزت شخصية الشيخة سلامة بنت بطي «والدة الشيخ زايد رحمه الله»، وبدأ التكوين الثقافي للمرأة في الخليج -والحديث دائماً للدكتورة فاطمة الصايغ- يتبلور في فترة الستينات من القرن العشرين بعد ظهور الخدمات الثقافية الخاصة بالمرأة، وظهرت الجمعيات النسائية.
انتقلت الصايغ بعد ذلك لتناقش البعد الديني «الخطاب الديني الموجّه للمرأة» فأشارت إلى الدور الذي لعبه هذا الخطاب في بلورة ثقافة المرأة وتهيئتها للعب دور مجتمعي فعّال، أما في فترة الثمانينات -والحديث للمحاضرة- فقد أخذ هذا الخطاب يحمل بعداً آخر بعد أن« سُيّسَ» الإسلام، وفسر الخطاب الديني من حينها على أنه قمع لحرية المرأة.
مما أدى لمهاجمة هذا الخطاب باعتباره أحد أسباب انتكاسة وضع المرأة في الخليج، ودعت الصايغ إلى الاهتمام بتطوير الخطاب الديني في هذا العصر قائلة: ان الاهتمام بتطوير الخطاب الديني ليواكب العصر الذي نعيش فيه لهو أمر ضروري لخدمة قضايا المرأة المسلمة وبلورة وعيها بقضايا المجتمع التي تعيش فيه.
أبو ظبي ـ محمد الأنصاري: