عُرضت على مسرح دار الكتب الوطنية في حلب مؤخراً المسرحية التركية «مولانا» تأليف «تورغاي نار» وإخراج «بورا ساجكين» وذلك بالتعاون بين مديرية المسارح والموسيقى في سورية ومسرح اسطنبول في تركيا..

وجاء العرض ضمن الفعاليات الثقافية لحلب عاصمة الثقافة الاسلامية. في جو مفعم بالصوفية بدأ العرض ونحن نرى الشاعر الصوفي «جلال الدين الرومي» واقفاً امام البئر التي تحكي له أن «شمسي التبريزي» قد قُتل ثم رُمي فيها..

فتظهر الدموع في عينيه حزناً على فراقه.. ويأتينا صوت الناي من الطرف الآخر كأنه يعبّر عن وجع جلال الدين. ويتطوّر البناء الدرامي للعرض ليكتشف جلال الدين أن هناك سراً للوصول الى شمسي التبريزي، وفي طريق بحثه عن هذا السر يرى الدرويش..

يأخذه الدرويش في طريق البحث... فيرى جلال الدين «عمر الخيّام» ينادي على شمسي التبريزي... وبينما يكون جلال الدين بين الصحوة والغفوة، يظهر له «الحلاّج».. فيسأله عن صوت الربابة وعن شمسي التبريزي...

فيخبره الحلاّج بأنه قد أحضر له كنزاً من المستقبل هو: عباءة التوحيد، هذه العباءة تعود الى «النسيمي» وقد صُنعت من جلده المسلوخ، فيطلب من جلال الدين أن يلفّ نفسه بهذه العباءة ويخبره بأنه سوف يجد شمسي وسوف يعاود البحث عنه في المكان الذي وجده فيه.

. ثم يختفي فيهدأ التوتر الدرامي. ويظهر جلال الدين من جديد متألماً وهو يرفع شكواه الى الله، ويتصاعد الفعل الدرامي عندما يظهر عمر الخيّام ويقول له: ان البحث هو شيء جوهري وحيوي وخلال بحثك سوف يزداد ألمك ألماً، ولكن لابدّ لهذا الطريق ان يستمرّ.

.. ينزل جلال الدين الى البئر، فيتطور الفعل الدرامي نحو عالم آخر.. إنه سرداب حزن مليء بهياكل عظمية بشرية. فيخبره طائر العنقاء بأن عليه أن لا يستسلم، وعليه أن يجتاز سبعة وديان للعثور على شمسي، والبئر التي وُجد فيها جلال الدين هو الوادي الأول.

واسمه وادي الطلب والتمنّي، ولكن في هذا الوادي الكثير من الصعوبات والبلاء، ويتوجّب على جلال الدين أن يحفر هذا البئر. وفي مشهد آخر نرى ان جلال الدين قد وصل الى عمق البئر بعد أن حفره بشوك الورد الذي أعطاه إياه طائر العنقاء..

هنا يتذكّر جلال الدين «العطّار فريد الدين» عندما حصل أول لقاء بينهما حين كان طفلاً صغيراً ولكنه لم يكن يعرف كيف يخرج من قلب البركان.. لا يعرف اتجاهه.. العطّار يخبره قصة «سيمورغ»، هذه القصة سوف ترشد جلال الدين..

ويتطور الفعل الدرامي أكثر حيث نجد جلال الدين في وادي المعرفة حيث الحمم في كل مكان، ويكون «زرادشت» في انتظار جلال الدين فيسأله عن ماهية النقش الشمسي الموجود على يده، فيخبره ان هذا النقش قد صُنع من قِبل نقّاش من منطقة الحثّيين. فيقرّر جلال الدين البحث عن هذا النقّاش. ثم يهبط الفعل الدرامي ويتصاعد مرة اخرى عندما يتابع جلال الدين بحثه عن شمسي التبريزي. ويلتقي «مينوش».

وهو (رجل قروي من العصور الوسطى)، فيتحدثان عن ابتعاد الناس عن الأخلاق والدين بحصولهم على تعاليم دينية خاطئة من بعض رجال الدين. فيقابل جلال الدين «يونس إمرا».. يونس يحاول إقناع جلال الدين بأن شمسي التبريزي قد مات، فيرتفع التوتر الدرامي ويظهر جلال الدين في مقبرة المجهولين، فيشاهد رجلاً يعذّب نفسه، وهو أحد الذين قاموا بقتل شمسي التبريزي..

وللخلاص من هذا العذاب يحاول قتل نفسه.. هذا الشخص لايزال يحتفظ بالربابة أما بالنسبة لجلال الدين فيقول للرجل بأنه في التعاليم الدينية لا يوجد حقد وأن عليه أن يطلب المسامحة والغفران ثم يذهب، فيهبط الفعل الدرامي لدرجة السكون. لكنه سرعان ما يشتدّ حين يظهر «النسيمي» الذي سُلخ جلده مع الموسيقى المولوية القادمة من العمق وقد حمل رماد الحلاّج الذي قال :

« أنا الحقّ » كما حمل الحلاّج سابقاً عباءة التوحيد المصنوعة من جلد النسيمي. ويتصاعد التوتر الدرامي الى ذروته عندما يطلب النسيمي من جلال الدين غسل وجهه بالرماد الذي يريه إياه.

ثم يهدأ التوتر من جديد ونحن نرى مولانا وهو على حافة الموت، لكنه يشتدّ من جديد، عندما يظهر له شمسي التبريزي فيسأله مولانا لماذا لعب لعبة كهذه.. لقد كان شمسي بجانب مولانا من اللحظة التي دخل فيها البئر، يراه كيف يبحث عنه.. وعاش الآلام التي عاشها. ويصل التوتر الدرامي أقصاه عندما نسمع صوت الأنهار والبحار.. فيقرران الاندماج في الكون والوجود وعالم البحار.

وبذلك يعودان الى بحر الإيمان الذي سيعيد لهما كل شيء كما كان. ويهدأ التوتر عندما يزيح جلال الدين ستارة الوجود.. وتُكشف له أسرار الصفات بعد أن عبر جميع الوديان. وفي المكان الذي وصل اليه شمسي التبريزي يرى انعكاس صورته في مرآته (يشاهد شمسي ذاته) سر الانسان عند الله، أما سر الله فمازال يبحث عنه وبذلك يهدأ التوتر تماماً وينتهي العرض.

إن اول شيء نلاحظه في هذا العرض هو التشابه الكبير مع ملحمة «جلجامش» حيث الأحداث والشخصيات والجو الملحمي المفترض والكثير من الافكار الفلسفية التي لها علاقة بالوجود.

وهنا نشير الى ان هذه الأحداث الملحمية هي خارج الزمان والمكان والشخصيات الصوفية التي اجتمعت مع بعضها قد جمعها المؤلف في جو ملحمي افتراضي. لسنا هنا بصدد المقارنة مع ملحمة جلجامش فهذا أمر آخر ولا يتسع المجال لها. إن أهم ما يتميّز به هذا العرض هو القدرة على خلق جو صوفي..

يتراوح بين التصعيد الدرامي الى حالة الهدوء والسكون التام أو بالعكس. لقد نجح المخرج في ان يضعنا في هذا الجو وقد ساعد على ذلك الديكور الذي وضعه «محمد نور الله كونكار» مشكلاً سينوغرافيا رائعة.

فالخيمة الكبيرة التي صُنعت على شكل شمعة يخرج النار من وسطها تمتّد في كافة الاتجاهات لتشكّل عدة أشكال هي ذوبان الشمعة التي تحوّلت الى حبات وتتحوّل احياناً الى غيوم متطايرة بعد ان يُنفخ فيها الهواء بينما نرى جلال الدين أو الشخصيات الصوفية الاخرى وكأنها تحلّق فوق الغيوم مع أفكارها وروحها المفعمة بالإيمان.

كانت الاضاءة التي تتراوح بين الازرق والاحمر والتي وضعها «محمود أوزدامير» قد ساعدت على خلق الأجواء المناسبة منبعثة من تحت الخيمة. ولعل المؤثرات الصوتية والموسيقى الحزينة للناي التي وضعها «أرسين أشار» قد شكلت مع بقية العناصر لوحة متكاملة جميلة.. اما «المانيكانات» التي وُضعت في خلفية المسرح المتشحة بالسواد فقد ظلت في مكانها طوال المسرحية ولم يكن لها أي فعل مسرحي .

ولم تتعامل معها الشخصيات. صوّر الشخصيات بحرفية عالية «بورا ساجكين» في دور «مولانا» جلال الدين الرومي الذي كان يشكل نقطة الارتكاز الاساسية في العرض، فكان يجلس طوال الوقت أو يقف أحياناً ويسرد الملحمة الافتراضية ويعيش معها في لحظات انفعال عالية تليها حالات سكون تام.

اما الممثل «يجيت سيردمير» فقد صوّر بقية الشخصيات بمفرده. فكنا امام شخصية ثابتة وشخصيات متغيرة ومتحركة يقوم بأدائها «يجيت سيردمير» بقدرات تمثيلية ممتازة. ما يُؤخذ على العرض هو ان الحوار غلب الفعل ـ الحركة.

حلب ـ د. وانيس باندك