قطعت، وأنا أكتب هذه الكلمات، من العمر خمسة وثمانين عاماً وقارب عمري في ممارسة الأدب كتابة سبعين عاماً، إذا اعتبرت بدء هذه الممارسة أول قصة كتبتها ونشرتها.
وذلك في عام هذان العمران الطويلان، في الحياة وفي العمل الأدبي، يفسران بعض التفسير وفرة النتاج الذي يحمل اسمي والذي أحاول جمعه في ما يسمى بالأعمال الكاملة وبعض التفسير لهذه الوفرة يعود بلا ريب إلى عناصر أخرى في تكويني.
وفي الظروف التي أحاطت ولا تزال تحيط بي من هذه العناصر فضولي ودقة ملاحظتي وذاكرة قوية قادرة على الحفظ والاختزان، ومنها سهولة التعبير لديّ والرغبة في التعبير، إلى جانب رغبة الآخرين في تعبيري وتقديرهم له.
وتشجيعي على الاستمرار فيه ومطالبتهم لي بهذا الاستمرار« هذا عدا عن تعدد أنماط الحياة التي عشتها والتجارب التي خضتها والأحداث التي مرت بي ومررت بها».
أقول الأعمال الكاملة وأنا أتساءل لماذا أكلف نفسي العناء في جمعها ونبش المجهول والمختفي والبحث عن الضائع منها أعرف عن ذاتي ضعف تعلقها بالماضي والنفور من العودة إليه.
واهتمامي بالعيش في الحاضر والتفكير بالقادم غير أن عوامل كثيرة تكاتفت في قبولي نشر أعمالي القديمة منها حب للذات، وربما الإفراط في تقديرها، حين أتوهم، كمبدع، أن إنتاجي الفني ذو قيمة تستحق أن تثبت وأن تخلد فأستجيب للدعوة إلى جمعها جملة وحفظها، كي تطلع عليها الأجيال القادمة فتتمتع وتستفيد منها إنه عامل نرجسي أعتقد أن تأثري به يبقى قليلاً .
ومع ذلك فلا أظنني سأنجو من الاتهام به، على الرغم من أني قليل الإيمان بخلود الآثار مهما بلغت من سمو القدر، وأني أردد دوماً في هذا المجال بيتي أبي الطبيب المتنبي حين يقول:
أين الذي الهرمان من بنيانه
ما قومه ما يومه ما المصرع
تتخلف الآثار عن أصحابها
حيناً ويدركها الفناء فتتبع
ومن هذه العوامل تساؤل الآخرين عن أعمالي التي سمعوا عنها ولم يقرأوها، لأنها لم تنشر لعامة القراء أو لأنها نشرت ونفدت نسخها من المكتبات.
ويأتي أخيراً العامل الحاسم المتمثل بحسن ظن الصديق الباحث والمفكر والناشر الأستاذ رياض نجيب الريّس، الذي وجد أن أعمالي الكاملة تستحق أن تبرزها داره فأصر على نشرها ،له مني الشكر، وهو يعلم بأنه إذا كان ثمة غنم في هذا النشر فنحن، أنا وهو، شريكان فيه أما إذا اقتصر الأمر على الغرم، فإنه سيكون عليه وحده.
وأقول الأعمال الكاملة وأنا لا أدري منذ الآن كم سيكون مقدار انطباق تلك الصفة عليها إذ إن وفرة ما كتبته في العمرين الطويلين اللذين ذكرتهما أعلاه تتيح مجالاً واسعاً للتعرض للنقض، فقبل أن تظهر لي كتبي المعروفة كتبت كثيراً في الدوريات، باسمي الصريح وبأسماء مستعارة، كتابات تستحق أن تضمها أعمالي الكاملة فيما بعد رغم ما يمكن أن يتسرب إليها من ضعف البدايات لن أنشر كل ما كتبته من هذا الصنف بين أعمالي الكاملة وإنما سأسعى إلى أن أثبت نماذج منها قد تعجب القراء .
وقد يهتم بها النقاد بصورة خاصة ونظراً لتنوع الألوان الفنية في كتاباتي الكثيرة، فلا بد من تصنيفها في مجموعات سأتبع في هذا التصنيف ما جريت عليه من إثبات مجموعاتها على أغلفة كتبي المنشورة قبل اليوم أبدأ بالشعر، ثم ألحق به القصة والرواية، ثم كتب المحاضرات، ثم الألوان الأخرى، إلى أن أنتهي إلى ما سميته بالمنوعات، وهي الأعمال التي لا يجمع بينها لون واحد محدد.
هذه هي النية التي أبدأ بالعمل لها في إنجاز أعمالي الكاملة، متمنياً أن لا يحول عجز أو تحول المنية دون إتمامها، وأنا أتصور أن هذا الإنجاز سيأخذ من الوقت الكثير الكثير« والله المستعان على ما نريد في كل حال»
عبد السلام العجيلي
الرقة في ـ أغسطس