أمسية إبداعية جديدة تضاف إلى رصيد ملتقى الثلاثاء باتحاد كتاب وأدباء الإمارات، الذي استضاف الكاتب والباحث المسرحي «سيد حافظ»، في محاضرة بعنوان «التحديات التي واجهت النص في المسرح العربي المصري»، قدم فيها تطوافاً في رحلة هذا الفن الإبداعي ورواده على مر العقود المنصرمة.
بداية قدم الباحث والناقد «محمد غباشي» ببلوغرافيا مسهبة عن الضيف، مشيراً إلى أنه أول كاتب عربي تطبع أعماله للأطفال والكبار عبر الإنترنت، كذلك أول كاتب عربي تنشر له جامعة أريزونا خمس مسرحيات باللغة الإنجليزية، وثلاث مسرحيات باللغة العربية على الإنترنت،
كما نشرت له المملكة البريطانية سبعة أعمال مسرحية باللغة الإنكليزية، إلى جانب كتبه الإبداعية التي تجاوزت (66 كتاباً) في المسرح، والدراما التلفزيونية والإذاعية في مصر والكويت والبحرين وقطر وأبو ظبي.
من جهته أشار المحاضر الضيف، إلى أن زيارته الحالية هي الرابعة لدولة الإمارات على مدى ربع قرن، بعد زيارته الأولى لسمو الشيخ صقر القاسمي برأس الخيمة، وقدومه في العام 1983، للتحضير لكتاب عن الحياة المسرحية في الإمارات، وإقامته لشهر في دبي في عام 2004، عندما حضر مع المخرج زنجدة إسماعيل أنزورس للإشراف على ورشة مسرحية عربية خاصة بمهرجان «الجنادرية».
مؤكداً أنه اختار عنوان محاضرته بدقة حتى يكون أكثر تحديداً وشمولية وتركيزاً، خاصة أن المسرح العربي المصري، مسرح رائد، مقاوم، مقاتل، متعدد الاتجاهات كما أنه مسرح ريادي رغم الغزو الاستهلاكي والتجاري.
فقد بدأ المسرح في مصر مع الحملة الفرنسية عام 1798، مع رغبة «نابليون بونابرت» بالترفيه عن جنوده، فأحضر فرقة مسرحية فرنسية كانت عروضها الشرارة التي فتحت عيون المهتمين على هذا الفن الساحر،
وأنشأ «عبد الله مينو» الذي تزوج بمصرية، في العام التالي أول دار مسرحية، لذلك كان نصيب المسرحيات المترجمة عن الفرنسية هو النصيب الأكبر، بعدها ظهر رجال الإعداد المسرحي الذين حاولوا تمصير النص المسرحي الأجنبي وتعريبه.
في حين تعامل «محمد علي باشا» مع المسرح كجزء من مشروعه الحضاري للنهضة، فاستضاف بعض الفرق المسرحية الأجنبية في قصره، بينما قام الخديوي زإسماعيلس ببناء دار الأوبرا وكلف «فريدي» بتلحين أوبرا زعايدةس،
في الوقت الذي شكلت فيه الحركة الوطنية والثورة العرابية في عهد الخديوي «توفيق» تحدياً كبيراً اجتاح الكتاب والمبدعين، حيث ظهر الشيخ «عبد الله النديم» كمؤلف مسرحي يكتب نصوصاً تواجه العدو والفساد والظلم، وقد كان أزهرياً لحن وقدم أغاني وطنية، كما أسس أول مسرح مدرسي في مدرسة «العروة الوثقى» بالإسكندرية، وكتب أربع مسرحيات باللغة العامية المصرية.
ومع ذلك ظل المسرحيون يبحثون عن منفذ للتعبير فكانت الترجمة ثم الإعداد والعمل على تحويل البيئة والزمان والمكان والشخصيات لتكون عربية مصرية، حيث كتب «إبراهيم رمزي» و«إسماعيل عاصم» مسرحيات في إطار عربي، وبعد ثورة 1919، ظهر تيار آخر استخدم المسرح للتسلية والترفيه على شكل «اسكتشات غنائية« ظهر من خلالها نص شبه مسرحي غير متوائم مع المسرح الحقيقي،
كما ظهر اتجاه نحو النص العالمي من خلال «عزيز عيد» الذي اعتزل التمثيل واحترف الإخراج كأول مخرج في الوطن العربي سافر إلى إيطاليا على نفقة زوجته «فاطمة رشدي» واستطاع أن يضع ديكورات متحولة بعيداً عن المنظر الثابت، مستعيناً بالمؤثرات الضوئية والصوتية، مقدماً (52 مسرحية) من روائع المسرح العالمي، بمعدل مسرحية كل أسبوع،
بينما كان زميل عمره ورفيق دربه «نجيب الريحاني» يتمتع بأقصى حالات الازدهار الاقتصادي، بعدها ظهرت الحاجة إلى ترجمة المسرح الإنجليزي فظهر «أمين صدقي» الذي ترجم أعمالاً مسرحية كثيرة لشكسبير وبرنارد شو، وليظهر بعد ذلك «توفيق الحكيم» الذي قرر العمل مع فرقة عوالم للتعرف على أسرار هذا الفن، وكان أول من طبع النص المسرحي في كتاب،
فكان للنص قيمته الأدبية والتاريخية، كما ظهر «يوسف وهبي» الذي قام بترجمة وإعداد (118 مسرحية) عن الأدب الفرنسي والإيطالي والإنجليزي، و«جورج أبيض» الذي درس على حساب الخديوي، وعاد بنصوص أجنبية، إلا أن ظهرت عبقرية «سيد درويش» الغنائية وشاعرية «بيرم التونسي».
وعن ملامح المسرح العربي المصري في تلك الفترة أشار «حافظ» إلى المسرح التجاري الكوميدي الذي ترأسه في التمثيل «نجيب الريحاني» وفي النص المسرحي «بديع خيري»، بينما ترأس المسرح الجاد «عزيز عيد» و«جورج أبيض» و«يوسف وهبي»،
وتربع على عرش الكتابة المسرحية الكاتب اليمني «علي أحمد باكثير» مع توفيق الحكيم، وفي المسرح الغنائي كان ملحنه «سيد درويش» وكاتب النصوص «بيرم التونسي» و«محمود تيمور»، أما في المسرح الارتجالي فكان «علي الكسار» والمسرح الشعري بنصوص «أحمد شوقي» و«باكثير».
بعدها ظهر «ألفرد فرج» و «نعمان عاشور» و«سعد الدين وهبة» و«محمود دياب»، إلى أن جاءت معركة 1956، وظهور مسرح الكلمة والمقاومة حيث قدم فرج مسرحية «صوت مصر»، وقدم «يوسف إدريس» مسرحية «اللحظة الحرجة»، في حين اتجه النص المسرحي في عام 1958 إلى الاجتماعيات، ليأتي التأميم والقراءات الاشتراكية التي أعلنها الرئيس «جمال عبد الناصر»، فاتجه المسرح إلى تقديم نصوص: «بريخت» و«تشيخوف» والمسرح التسجيلي.
وقال «سيد حافظ» في محاضرته، أن نكسة حزيران، أحدثت زلزالاً كبيراً في الكتابة المسرحية، حيث كان من المفرض أن يغادر فيه «كتاب النكسة» مكاتبهم ويتركوا أقلامهم، كما قال «لويس عوض» لكنهم استمروا، حيث تمثل المشهد المسرحي قبل النكسة بالمسرح الكوميدي وبرز فيه «عبد المنعم مدبولي» مؤلفاً ومخرجاً وممثلاً، كما ظهر «محمد خفاجي» معداً عن نصوص عالمية،
وظهر جيل من الكوميدنات الناجحة أمثال: «فؤاد المهندس» و«أمين هنيدي» و«محمد عوض» و«محمد رضا»، في جاء مثَل «نعمان عاشور» و«سعد الدين وهبة» و«محمود دياب» اتجاه المسرح الاجتماعي،
فيما ظهر «صلاح عبد الصبور» بمسرحياته الشعرية و«عبد الرحمن الشرقاوي»، واتجه «كرم مطاوع» إلى المسرح العالمي، و«سعد أردش» إلى مسرح الجيل، في حين لم يأخذ جيل من المسرحيين حقهم أمثال: «مصطفى بهجت» و«عبد المنعم سليم».
في الوقت الذي ظهر بعد النكسة: «بهيج إسماعيل» و«عبد الغني داوود» و«أمين بكير» و«أبو العلا السالاموني» و«يسري الجندي» و«السيد حافظ» و«عبد اللطيف دربالة»، منوهاً بكتابه «المسرح التجريبي الذي صدر عام 1971، واختار له عنوان «كبرياء التفاهة في بلاد اللامعنى» الذي أثار ضجة كبيرة.
ومع بداية السبعينات ظهر جيل الدكاترة: سمير سرحان وفوزي فهمي عبد العزيز حمودة ومحمد عناني تلاميذ رشاد رشدي، وفي الثمانينات مجموعة من الكتَاب من أهمهم «محفوظ عبد الرحمن» الذي قدم مسرحياته بالكويت، بعدها جاء الانفتاح الاقتصادي والمسرح التجاري، وكوميديا «الأفيهات» والقفشات، ومسرح «محمد صبحي» و«لينين الرملي».
وختم «سيد حافظ» محاضرته، بالحديث عن المشهد النص العربي المصري مؤكداً على طغيان العقلية «الكرنفالية» المتمثلة بالاحتفالات والمهرجانات العربية التي خلخلت النص المسرحي، حيث لا يوجد تيار مسرحي واضح رغم وجود الدعم المادي،
وكتاَب المسرح ومبدعوه، مشيراَ في الوقت نفسه إلى تجربة «نضال الأشقر» وأزمتها المالية، متمنياً ألا يتحول المسرح العربي إلى مسرح راقص ونتحول معه إلى شعب راقص يفقد القدرة على الكلام وتضيع ذاكرته مع الأيام.
أنس الأموي
